الأعياد و”المستقرضات” وحّدت بين اللبنانيين. والمطلوب أن يعود القادة إلى “المنطقة الرمادية” فيناقشون ويتدارسون ويخرجون بحلول نهائية

بقلم الكاتب والصحافي صفوح منجّد
نشر في موقع ناشطون
توقفت هيئات شعبية وأهلية محلية عديدة عند ظاهرة إلتقاء أعياد اللبنانيين في هذه الأيام المباركة من مختلف الأديان والمذاهب مسلمين ومسيحيين، ورأت فيها إشارة من رب العالمين بدعوتهم إلى نبذ إختلافاتهم وخلافاتهم ونزاعاتهم والسعي إلى إعادة بناء وطنهم على قاعدة الوئام والإتفاق والتمسك بالقيم الروحية في سعيهم لإعادة تكوين بلدهم على قاعدة الحرية والمساواة وبناء دولة القانون والعدالة.
فعند المسلمين عيّد الجميع سنّة وشيعة ودروز وأقاموا شعائرهم وإلتقى أبناؤهم في حارات القرى والمدن وصلّوا جميعا وزاروا المدافن وقرأوا “الفاتحة” ودعوا إلى التضامن وأن ينقذهم الله تعالى من التفرقة والتشرذم وينقذ البلاد والعباد.
أما عند المسيحيين سواء الذين يتّبعون الطقوس الشرقية أوالغربية فإنّهم أيضا على إختلاف مذاهبهم عيّدوا سوية بالرغم من فارق الإسبوع بين الأرثوذكس والموارنة في هذا العام، غير أن “المستقرضات” قد جمعت بينهم وكذلك مع الطوائف الإسلامية.
وكان اللافت هذا العام أنّ اللبنانيين عادوا إلى التداول والإستفسار في ما بينهم عن “المستقرضات” وحكايتها؟ فبعد “مستقرضات الموارنة” وفقاً للتقويم الكنسي الغربي، تلتها “مستقرضات الروم” وفقاً للتقويم الكنسي الشرقي، كما هي حال عيد الفصح الذي لم تتفق الكنيستان الغربية والشرقية على توحيده.
وكثيرون في أيامنا هذه لا يعرفون ما هي المستقرضات؟
وتقول المرويات المتناقَلة جيلاً بعد جيل: “ان شباط شهر مرعب للعجائز، وكلهم يخافون ان يموتوا خلاله نتيجة البرد، وكانوا عندما يبدأ يرسمون علامة الصليب فوق عتبة الباب الرئيسي لإبعاد شبح عزرائيل عنهم”.
وتضيف: “ذات مرة وقد انقضى شباط، راحت احدى العجائز تغنّي وترقص شامتة: “اجا شباط، وراح شباط، وحطّينا بقفاه مخباط”، مما يعني انها نجت من الموت ووصل الربيع ولم تعد تخشى الصقيع.
وتكثر خلال هذه الأيام الممطرة والباردة من آذار، لا سيما بعدما أطل الربيع مبكراً خلال شباط، تهليلات الأرثوذكسيين و”تزريكاتهم” للموارنة كما درجت العادة سنوياً في هذه الفترة من “المستقرضات” التي هي عبارة عن 7 أيام باردة جداً. وفي حين أن “مستقرضات الموارنة” أي العديات التي تتبع التقويم الغربي وهي تبدأ من آخر ثلاثة أيام من شباط (26-27-28 شباط) وأول 4 أيام من آذار (1-2-3-4 آذار) وفق الأسطورة التي تقول إن شباط المعروف بالبرد، استقرض أي استعار، من آذار أربعة أيام باردة، كي ينتقم من إحدى العجائز التي تكلمت بالسوء على شباط.
فإنّ “مستقرضات الروم” التي تتبع التقويم الشرقي أو التقويم اليوليوسي تتأخر 13 يوماً عن التقويم الغربي المعتمد اليوم. بحيث أنّ أول آذار عند الروم مثلاً، يوازي 14 آذار على التقويم العالمي اليوم. فتكون “مستقرضات الروم” عملياً هي التواريخ السابقة نفسها، مضافاً إليها 13 يوماً، أي 11-12-13 آذار و 14-15-16-17 آذار. وتأتي هذه الأيام باردة وفق الأسطورة أيضاً،علما أن الفصح عند الموارنة والروم يفصل بينهما 4 أسابيع ليتناقص هذا الفارق مدة إسبوع سنويا ليعود الفصح عند الطائفتين ويتوحد في السنة الرابعة وهكذا دواليك.
ولا يعتبر الكورانيون هذه الأفكار من الأساطير الشعبية، بالرغم من قدمها وعدم إثباتها لاهوتياً أو علمياً. وهم يتناقلونها من جيل إلى جيل. وهذه التقاليد كثيراً ما كان يعيشها أهالي القرى الكورانية بفرح يغلب عليه الحماس، بينهم وبين جيرانهم من الطائفة الأخرى. إذ إنّ بعض الشبان الروم يلبسون اللباس الصيفي في مستقرضات الموارنة حيث الشمس تكون مشرقة والجو دافئ، أو ينزلون إلى البحر ليؤكدوا لجيرانهم وأصدقائهم أنّ “المستقرضات الغربية” غير دقيقة، وكثيراً ما كانوا يأكلون البوظة أو يقدمونها مجاناً لأولاد الحارة في إشارة إلى حرارة الطقس.
أمّا في أجواء البرد التي كانت تسيطر على “مستقرضات الروم” فكان يعمد شبان كثيرون إلى جمع الحطب وتقديمه لأصحابهم الموارنة ليستدفئوا عليه من باب التسلية. وفي أيامنا الحاضرة إنتقلت هذه التحديات إلى الممازحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بإرسال رسائل نصية أو تعليقات عبر “فايسبوك” مختصرة بعبارة: “قالوا الشتوية خلصت وصار الأمر محسوم، تاري هالعالم نسيت هودي مستقرضات الروم”.
ولا تغفل الأمثال الشعبية “اقتراض” آذار من شباط أياماً لوداع فصل الشتاء. يقول المثل “يا ابن عمي يا آذار مني ثلاثة ومنك أربعة والشتا بعدنا مودعة”.
وكذلك فإنّ الأمثلة الشعبية التي يرددها الفلاحون عن آذار تصيب في غالب الأحيان، بعدما اختبروها في تجاربهم ومواسمهم. وهي تحمل في جوانب منها بعض الفوارق عن أمثال آذار. ومن هذه الأمثال “خلي الجمرات الكبار لآذار”.
وحتى زمن قريب إذا حلّ الفصح لدى الموارنة ولم يكن الطقس باردا كان بعض الشبان من بلدة انفة (روم) ينتقلون إلى ساحة بلدة شكا المجاورة على الساحل (موارنة) حيث يقوم القادمون بأكل البوظة في تعبير واضح بأن عيدهم لا يتلاءم مع حالة الطقس، وفي حال كان فصح الروم لا يتوافق مع حالة الطقس، كان الشبان من بلدة شكا يردون الزيارة بحمل الشماسي مفتوحة للإثارة، وغالبا ما كانت المشاكل تقع بين الطرفين سواء في انفة أو شكا !!
وفي هذا العام كان الطقس باردا وأدخل السرور والبهجة لدى الشرقيين والغربيين ومن فضائله سبحانه وتعالى قد جمع أيضا الطوائف الإسلامية للإحتفال معا بعيد الفطر السعيد، بالرغم من إستمرار حالة البلد الذي “يتخبط” بأزماته ومشاكلة، وكلما لمس اللبنانيون أن هناك مخرجا قريبا من هذه المآسي المدمرة تلوح في الأفق المشاكل والعراقيل لتطيح بالآمال التي تكون قد تولدت في نفوس اللبنانيين ولكن سرعان ما تتبدد مع تراكم الخلافات والنزاعات وأيضا المواجهات الدامية.
ففي الوقت الذي توقع فيه اللبنانيون أن يتوصل قادة الرأي والمسؤولون في الدول الخمس الذين يتابعون القضية اللبنانية لاسيما ما يتعلق بالمساهمة في إنجاز إنتخابات رئاسة الجمهورية، تجد هناك من يتولى تأجيج الخلافات على الساحة اللبنانية للإطاحة بالتوقعات التي “تدغدغ” آمال اللبنانيين بأن مواعيد الحل قد إقترب تنفيذها، فإذا بها تعود إلى نقطة الصفر، وكأنّ هناك، بل أن البعض يجزم بأن الحل في لبنان ما يزال بعيد المنال، وأن كل ما يحصل لا يتعدى كونه من باب التخدير، في حين أن الحلول هي بمتناول اليد ولكن الإنقسامات هي أشد فتكا وما يحصل من وقت إلى آخر من إشعال للفتن والإشكالات والمناكفات هي الدليل الساطع أن الإنقسام بين اللبنانيين حتى داخل “الصف الواحد” يقف بمرصاد أي خطوة إنقاذية أو سعي للخروج من دوامة الإنقسامات والمواجهات وخلق الفتن.
فصحيفة “اللوموند” لم تجد ما تصف به الوضع القائم بلبنان وما يعانيه من إنقسامات سوى عبارة (لبنان الوحش) للإشارة إلى ما أضاعه اللبنانيون وما يضيعونه من فرص للخروج من “شرنقة” خلافاتهم ومن دوامة الصعوبات التي يعاني منها اللبنانيون على مختلف الصعد الحياتية والإقتصادية والصحية والتربوية، وقد نُقِل عن مسؤول سعودي في اللجنة الخماسية أنه “إذا كنتم في لبنان تتمسكون بفرنجية أو بهذا المرشح أو ذاك فهذا رأيكم وإختياركم”.
والواضح أن بعض القوى السياسية الحاكمة لا تريد أن يرتاح لبنان وأن يعود إلى بناء مؤسساته وأن ينجز إنتخاب رئيس جديد للجمهورية بل يسعون إلى مزيد من فرض حالة اليأس وإنعدام الصبر من نفوس اللبنانيين، علما أن لبنان لن ولا يمكن تقسيمه فهو متداخل مع بعضه.
ويرى مسؤول عربي بأنه آن للبنانيين مسؤولين وقادة أن ينتقلوا إلى “المنطقة الرمادية” وأن يجلسوا إلى طاولة واحدة ويناقشون الأوضاع كافة، ولا يخرجون إلا وأن يكون الإتفاق في ما بينهم قد أنجز بخصوص كافة القضايا المختلف عليها وتذليل كل نقاط البحث، ولكن من يتوجب عليه القيام بهذه المسؤوليات هو من يتقاعس عن واجباته الوطنية.
وإنتخابات رئاسة الجمهورية ليست قضية أسماء، بل هي تتعلق أولا وأخيرا بالبرامج وبما يريد أن يفعله هذا المرشح أو ذاك وما رأيه بمشاريع الإنقاذ المطلوبة وأن يقف ويعلن بصراحة عن الحلول للقضايا المطروحة، ما رأيه بالقضاء؟ وتصوره لحكومة العهد الأولى؟ وبرنامجها وأعمالها؟ ماذا عن السلاح غير الشرعي؟ وماذا عن التداخل بالصلاحيات؟ آن للجميع، قادة وزعماء وأحزاب أن يجلسوا ويتصارحوا ويناقشوا وأن يصلوا إلى صيغة لبناء المستقبل، وبغياب الثقة لا يمكن فعل أي شيىء.