د. خواجة:في التصدي للادارة المتوحشة لسياسة الامر الوقع وشراء الوقت و كم الأفواه

كتب الدكتور طلال خواجة مقالة في جريدة النهار تحت عنوان ” في التصدي للادارة المتوحشة لسياسة الامر الوقع وشراء الوقت وكم الأفواه” . جاء فيها:
حين بدأت منذ شهور قليلة ملاحقة الحاكم رياض سلامة من قبل القضاء الفرنسي في قضية تحويل بضع مئات من ملايين الدولارات من شركة فيوري على اساس شبهة فساد وربما شبهة تبييض وشبهات أخرى وتزامنت مع ملاحقات واقتحامات في الداخل ، وضعت احدى الصحف عنوانا على صفحتها الاولى: اين رياض سلامة؟وقد رافق هذا العنوان صور من مشاهد لمداهمات قي البنك المركزي وفي منزل سلامة من قبل القاضية غادة عون و مرافقيها، في مشهدية ذكرتنا بالمشهد المؤسف لمداهمة مؤسسة الراحل ميشيل مكتف حيث بدا لكثيرين وكأنه لقطات تصويرية لفيلم اكشن من النوع الرديء.
هذه القضية، وما يرافقها من احداث وقرارات وملابسات ما تزال تتوالد فصولا لا تخلو من الاثارة، وكأنها مسلسل هوليودي طويل من الكوميديا السوداء عمل على انتاجه واخراجه والتمثيل فيه زمرة من محترفي العمل الميليشيوي والمافيوزي.
وبالعودة للعنوان السوريالي حول اختفاء رياض سلامة، فقد ذكرني بمقال لي نشرته جريدة النهار بعنوان “طاقية الاخفاء” في ٩/١٠/٢٠٢١، وكنت قد اقتبسته من فيلم كوميدي يمثل فيه توفيق الدقن فئة الاشرار التي تمتهن السرقة والسلبطة والاجرام ويمثل فيه عبد المنعم ابراهيم فئة اولاد البلد الطيبين. و الفئة الاخيرة هي بالطبع عموم الشعب اللبناني الذي يخضع منذ سنوات لابشع انواع الابتزاز والسرقة والإذلال، دون ان ننسى مأثرة الإجرام الذي شهدنا ابشع فصوله في تفجير مرفأ بيروت المروع و ما رافقه من اغتيالات وتهديدات وطمس حقائق بما يماثل اغتيال ثان للضحايا وارهاب اهاليهم وعموم اللبنانيين الساعين للحقيقة والعدالة. علما ان ذلك بدأ يترافق مع العبث الفاضح بقدسية الحريات وفي مقدمها حرية التعبير، حيث وصل الامر الى مستوى غير مسبوق بقرار قضائي قضى بحبس الناشطة والاعلامية ديما صادق لأنها وصفت في تويت ضرب وشتم واهانة متظاهر طرابلسي في جونية من قبل مجموعة مدججة من التيار الوطني الحر بالعمل العنصري.
انا لست مع نغمة تحميل الشعب اللبناني المقهور بالتسلط والهيمنة والاحتلال المقنع مسؤولية وصول هذه السلطة بجناحيها الميليشيوي والمافيوزي في انتخابات شبه ديمقراطية وغير متكافئة بسبب الفساد السياسي والمالي والحوكمة الرديئة والمتناغمة مع فائض القوة وانتهاك سيادة الدولة. و أؤيد ما قاله مؤرخنا كمال الصليبي بان الشعب اللبناني افضل من زعمائه وان المجتمع اللبناني افضل من دولته، و هذا الشعب الطيب لطالما انتفض وواجه الظلم والهيمنة والاحتلالات على انواعها منذ فجر الاستقلال.
الا ان هذا التشبيه، يجعلني مضطرا للاعتذار من الراحل توفيق الدقن الذي لطالما انتزع البسمة منا رغم امتهانه دو رجل العصابات الشرير، بينما يغلب على عصابة الاشرار عندنا صفات الغلاظة وثقل الدم، فضلا عن قلة الحياء و انعدام الاحساس بالمسؤولية.ويبدو ان هذا المسلسل الهوليودي قد دخل في حلقات جديدة مع قرب انتهاء الولاية الخامسة لرياض سلامة وبيان نوابه الاشاوس بخلفياته وملابساته والتباساته الفئوية والمذهبية. فالبعض سماه بيان الدكتيلو في استعادة لحقبة المكتب الثاني والبعض قال عنه مباشرة انه بيان الثنائي أو الثنائي+ ، اذ ان اصحاب المصلحة في ابقاء أو التهويل بشبح سلامة في الداخل والخارج كثيرون. ولنتذكر ان ولاية سلامة الاخيرة قد ابتدأت في السنوات الاولى من عهد الانهيار العوني الذي عزز خلاله حزب الله تحكمه بمعظم مفاصل الدولة واستحقاقاتها الدستورية، واضعا البلد في خدمة راعيه الاقليمي وبمواجهة المجتمعين العربي والدولي، مما عجل بايصاله الى الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي. اما الواقع الاجتماعي فقد تدحرج بسرعة نحو ملامسة القعر، رغم صرف واهدار وسرقة مليارات الدعم الكاذب من أموال المودعين، ورغم فرامات صيرفة وتحويلات المغتربين ورغم بونات الاسر الأكثر فقرا و اشكال الدعم الاجتماعي الخارجي مباشرة وعبر الجمعيات المدنية والاهلية او عبر قيادة الجيش.
لن يدخل هذا المقال في تحليل مفصل لواقع الازمات الدستورية والسيادية والسياسية وما يرافقها من صراعات ومناورات ومبادرات. كما لن يدخل في انعكاس الانقسامات المذهبية والتي تعززها الغطرسة المدججة بفائض القوة على الحوارات والتنظيرات واللقاءات الاعلامية الصاخبة التي باتت تؤشر لمنسوب كبير من الهواجس و تزيد من منسوب القلق على وحدة اللبنانيين وتمسكهم بسلاح الدستور القوي. وقد أعجبني ما قاله صديقنا الدرباس بأننا اذ نتعثر بتحديد الحدود العقارية بين بلدتين او حتى قريتين أو داخل قرية واحدة (في لاسا مثلا)، فكيف سنفصل بين الالوان الزاهية في الخريطة الفدرالية الصافية، ربما ليشير بأنه لا مهرب من مواجهة ازمة الدولة المركزية الفاقدة السيادة أولا وأساسا.
ما نريد ترداده في الواقع هو أن سياسة ادارة التوحش، خصوصا في موضوع صيرفة والرواتب والودائع عن طريق شراء الوقت وتسكين الاوجاع وبيع الأوهام المترافقة مع التهويل والابتزاز من جهة وتضخيم مظاهر الترفيه والتكيف في اقتصاد ٢٠٪ من جهة أخرى ما زالت مستمرة، ويدفع ثمنها ما تبقى من طبقة وسطى شكلت درعا بمواجهة الفوضى الاجتماعية حتى في ايام الحروب، فضلا عن دورها الديمقراطي في النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفي تطوير بنى المجتمع المدني عموما.
ثم أليس معبرا و بالاحرى نافرا أن يضاف أساتذة الجامعة اللبنانية والمعلمون عموما الى قائمة الفقراء في كثير من مؤشرات الفقر، بعد أن كانوا قد أعادوا بناء هذه الجامعة وقطاعات التعليم في أعقاب الحروب والفتن.
شكل تعديل التعميم ١٥٨ اعفاء من هيركات فرض طويلا على المستفيدين منه، الا أنه لم يكن أكثر من ذر الرماد في العيون، خصوصا أن ٤٠٠$ بالكاد تؤمن الحد الأدنى لمتطلبات اولية لعائلة صغيرة بعد التفلت المريب والمعيب في الاسعار والمصاحب للدولرة المتسارعة في كل شيء ما عدا الرواتب ومعظم الأجور.
علما ان هذا التعميم لا يطال:
١- عشرات ألوف( وربما مئات الاف) المودعين المدخرين من المتقاعدين ومن الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى عموما والذين حولوا ودائع الى الدولار بطريقة قانونية بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ وجمدت ودائعهم التي هي بمعظمها تعويضات ومدخرات.
٢- ألوف المودعين بالعملة الخضراء الذين نقلوا ودائعهم أو بعضها بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ إلى بنوك أخرى وأحيانا بضغط وتلاعب من ادارة البنك.
٣- الوف المودعين بالعملة الخضراء الذين نقلوا ودائعهم أو بعضها بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ ضمن نفس البنك إلى افراد من العائلة. (معظم البنوك رفضت تطبيق ١٥٨ على هذه الودائع).
٤- عشرات الوف المودعين بالعملة اللبنانية الذين لم يستطيعوا التحويل للدولار بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ لسبب او لآخر. وهؤلاء بمعظمهم وثقوا بعملتهم المثبتة دولاريا بقرار من الحكومات المتعاقبة وب”لا داعي للهلع السلامية”.
وهنا ندخل الى التعميم المجرم ١٥١ وأوكد على كلمة مجرم لأنه يشكل الاداة التي تستعمل لتنحيف ومحو عشرات المليارات من الودائع بهيركات اجباري مرتفع ومتصاعد، مع الاشارة إلى أن الحاكم سلامة أنصف وحيد منذ صدور التعميم في ٢٠٢٠ الوف الودائع الصغيرة وأخرجها من القطاع المصرفي.
فقد جرى التلاعب الاعلامي المدار بهذا التعميم واستعمل كجزء من مطية لرفع أسعار ورسوم الكهرباء فضلا عن الرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم، حين أخر سلامة رفع قيمة الدولار البنكي من ٨٠٠٠ الى ١٥٠٠٠ من ١/١٠/٢٠٢٢ الى ١/٢/٢٠٢٣ بموازاة ارتفاع كبير في دولار السوق الموازية.
واذ جرى الترويج مؤخرا على اكثر من شهر لرفع الدولار البنكي الى ٣٥ الف و٤٠ الف أحيانا، فان التعميم ١٥١ لم يتغير، بينما يجري العمل على رفع كلفة الاتصالات في اوجيرو إلى ٧ أضعاف. لذا وجب وضع بعض الملاحظات التحذيرية التالية:
١- ان الاسعار المقترحة هي مرتفعة كثيرا وربما تدفع بالكثيرين، خصوصا طلاب الجامعة اللبنانية للبقاء بلا انترنت، كما حدث مع الذين تنازلوا عن الاشتراك في مؤسسة الكهرباء.
٢- نذكر مدير عام اوجيرو المهندس كريدية، بانه قال مرارا وعلى الهواء بأن المؤسسة فرض عليها بالمحاصصة السياسية مئات الأشخاص دون حاجة او كفاءة، ما يذكرنا بالحشو الوظيفي الذي حصل في تاتش والفا حين أممها جزئيا الوزير نقولا صحناوي ليتم حشوها زبائنيا بالمئات. فهل يريد السيد كريدية ان نمول الفساد الوظيفي من جيوبنا المنهوبة، كما يحصل في الخليوي وفي الكهرباء، مع الاشارة إلى ان الخدمات لم تتحسن كثيرا كما وعدنا. علما ان خدمة اوجيرو سيئة بالإجمال.
٣- ان تحسين ودولرة رواتب بعض المؤسسات والقطاعات والهيئات على حساب أخرى سيؤدي الى توسيع الهوة الموجودة في الاجور والرواتب ويقوي عوامل الاضطرابات الاجتماعية.
وهنا اود أن أسأل الوزير القرم. لماذا كلفة خدمة الاتصالات ارخص وافضل في اغلى واهم مدينتين اوروبيتين، لندن وباريس؟
فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الحصول في باريس بعشرة اورو على حزمة عشرة ونصف جيغابيت وعدد غير محدد من الاتصالات الخليوية والرسائل، ويوجد عروض كثيرة بمبالغ اصغر بكثير.مع توب اب في الشهر اللاحق؟
لن نكرر ما يعرفه الجميع حول رحلة العذاب اليومية التي يقطعها المواطن العادي للحصول على الحد الادنى من متطلبات الحياة الكريمة. كما لن نكرر ما قلناه وفصله الناشطون من اصحاب الاختصاص حول موضوع صيرفة ومن يدفع فاتورة الفرق،(دعك من ترهات البعض بان سلامة يؤمنها بطريقة سحرية بدون كلفة). و بأن الفئات الأكثر استفادة هم اصحاب البنوك ومافيات الاموال والتجار المحظية والمؤسف بأن المسافة تزداد اتساعا بين منوعات المعارضة وبين الناس الموجوعين، بما فيها المعارضة التغييرية، ذلك ان هذه المعارضات لا تفعل الكثير بالتصدي لهذه القضايا التي تطال حياة جميع اللبنانيين من جميع الطوائف والمناطق والفئات.
ان تحسس اوجاع اللبنانيين المتصاعدة والعمل الدؤوب بكل السبل الديمقراطية على تحسين شروط صمودهم الاجتماعي يشكل ايضا عامل توحيد بمواجهة عوامل الانقسام والتمزق المتزايدة في النسيج الاجتماعي اللبناني. وهذا ما يعزز المواجهة السيادية الاجمالية التي تتطلب المزيد من تجذير و توحيد الموقف السياسي المستند على التفهم والدعم الشعبي الديمقراطي والغير قبائلي.
فهل تردم الهوة بين الجماهير و قيادات المعارضة، التغييرية والمستقلة خصوصا، والتي عليها ان تواجه سياسة الامر الواقع وشراء الوقت التي تقضم ما تبقى من اساسات لهذا البلد في جميع الميادين، خصوصا في الميدان المالي والمصرفي الذي يتهيأ للمجهول المعلوم القادم إلى مصرف لبنان؟ ولا يجب ان نستخف بالسيطرة المباشرة للممانعة وراعيها الاقليمي على الحاكمية، وبترحيب من الجميع. ثم هل ستتحمل قيادات النقابات والروابط والهيئات وقوى المجتمع المدني الواسع عموما مسؤوليتها في فرملة استضعاف واستفراد ناسها وجمهورها والطبقات المهمشة في طبيعة وسياق صيرفة وغيرها من قرارات وتعاميم وتدابير الضرورة؟ام ننتظر انتفاضة ما، او ربما فوضى ما، مترافقة مع استمرار منسوب الهجرة بالارتفاع الحاد، خصوصا الهجرة الشبابية وذات الكفاءة العالية.