الأيقونة وكتابتها … لقاء ثانٍ حول التراث الثقافي الحي في جامعة AUT فرع الكورة

ليلى دندشي
ضمن إطار التعاون بين الجامعة الأميركية للتكنولوجيا AUT فرع الكورة وجمعية فنون متقاطعة الثقافية، وبالشراكة مع جمعية تراث طرابلس لبنان (فرنسا)، وفي سياق سلسلة الأنشطة المرتبطة ببرنامج رفع الوعي المجتمعي حول التراث الثقافي الحي (غير المادي) في طرابلس والشمال، تم لقاء حول:“الأيقونة وكتابتها في لبنان”وذلك داخل حرم AUT ضهر العين، السامرية، قصر عريضة.
استهل اللقاء الدكتور باسم بخاش، مدير فرع الجامعة في الكورة، بكلمة ترحيب بالضيوف والمحاضرين أكّد من خلالها على أن ربط العلم بالثقافة هو دور أساس في رسالة الجامعة، مشدداً على عملية رفع الوعي وخاصة في مواضيع التراث والهوية والعيش معاً على صعيد كافة المواطنين. وشكر بخاش حضور ضيوف اللقاء قدس الأب أثناسيوس شهوان وقدس الأب شربل بو عبود والسيدة هند مرعب (جمعية شموع الأمل). كما نوّه بالحضور النوعي من طرابلس وزغرتا والكورة وجبيل وبيروت ومناطق اخرى، مشيرا الى ان التعاون بين الجامعة وجمعية فنون متقاطعة الثقافية وبالشراكة مع جمعية تراث طرابلس لبنان ضمن مشروع “تراثي، تراثك” يدخل في صلب عملية التكامل الذي تنشده الجامعة بين مختلف مكوّنات المجتمع.
وأشارت الدكتورة جمانة شهال تدمري، رئيسة جمعية تراث طرابلس لبنان، الى أهمية العمل الثقافي والتراثي في بناء مواطنة فاعلة وخلاّقة خاصة في الظروف الحالية التي يمر بها لبنان. وشددت أن التعاون بين لبنان المقيم والمغترب يجب ألاّ ينحصر في المساعدات والدعم، بل تكمن أهميته في دعم المبادرات الثقافية من الجهتين لنبرز رسالة لبنان للعالم ونستعيد دورنا الريادي التاريخي في نهضة المجتمعات والشعوب. ونوّهت أن الثقافة هي ضرورة ملحّة، وخاصة في بلد كلبنان كان ويجب أن يبقى بلد ثقافي بامتياز، وأن العمل الثقافي والتراثي يشكّل لبنة أساس في تنشيط ودعم الدورة الإقتصادية. من جهة أخرى، ذكّرت بأهمية تمتين العلاقة ما بين الثقافة و الإنماء، وأنهما يتكاملان شكلاً ومضموناً، فالثقافة والتنمية مترابطتان ومن الضروري العمل على تنشيطهما لتعزيز الحياة في لبنان. وأن الثقافة هي حتماً باب لتنشيط الحياة بكافة أبعادها ولا يجب تقتصر على فئة إجتماعية أو إقتصادية بل هي حق للجميع ويجب أن تطال كل المواطنين، وأنها ليست ترفاً إجتماعياً أو أن يتم اختزالها لتصبح مجرد ترفيه فقط. وكلّ في مجاله يمكن أن يمارس ثقافته وهذا ما يغني الشعوب.
كما أكّدت أن العمل الثقافي هو مفتاح لمواجهة كل أنواع التقوقع والتطرّف، مرحبةً بالمحاضرين والضيوف ومتمنية جلسة منتجة ومتألقة في آن.
بدوره أشار جان حجّار، رئيس جمعية فنون متقاطعة الثقافية، أن العمل الثقافي والتراثي يشكّل رافعة لبناء التفاهم والسلام المجتمعيين وتعزيزهما ضمن إطار التنوّع الذي يمثّله لبنان عامة والشمال بشكل خاص. كما أوضح أن أهمية التراث الثقافي الحي )غير المادي) تكمن في كونه مجالاً يفتح إمكانيات التعرّف على الآخر كما هو ويساهم في رفع مستوى الوعي بغنى مجتمعنا. وعرض ان هذا النشاط هو الثاني ضمن هذه السلسلة وسيتبعه انشطة اخرى حول عناصر من تراثنا الحي وان هناك انشطة اخرى في مواضيع الذاكرة الجماعية والمسرح والفنون، شاكراً المحاضرين والحضور ومنوّهاً بالعلاقة الراقية التي يتم نسجها بين الجامعة وجمعية فنون متقاطعة الثقافية والتي توسعت لتشمل ضمن هذه الشراكة جمعية تراث طرابلس لبنان التي تنشط في الإغتراب ولبنان وتحمل همّ وتراث البلد وأهله.
وتطرّق الأب اثناسيوس شهوان الى مفهوم الإيكونا وتطوّره وكيف يرتبط المعنى اللاهوتي بالمعنى المحسوس للايقونة. فكتابة الأيقونة هي مسار، وكلمة أيقونة في اللغة اليونانيّة تعني صورة، وفي الكنيسة تعني تصوير مقدّس. ولكن لا ينحصر الأمر في عمليّة التصوير، وتقنيّته وأصوله الفنيّة، وإلى أي مدرسة انتمى، إذ أن هناك مسار خلاصيّ كبير خلف وجود الأيقونة وعمق معانيها. التفسير اللغوي للكلمة العبرية قد يعني ظل الخطوط العريضة أو تمثيل الأصل، وفي اللاهوت هي كرامة إلهيّة للإنسان، وقيمة. وأيضاً هي بنوّة الله لنا، إذ إنه أعطانا كلّ الإمكانيّة والقوّة والقدرة لتحقيق كمال هذه البنوّة، فنحقق الشبه، طبعاً ليس في الجوهر الإلهيّ، بل بالنعمة. وهذا أعظم اكتشاف يقوم به الإنسان، ولكن هذا يتم فقط بنور الله، كما نصلّي: “بنورك نعاين النّور.” صحيح أن الأيقونة كفن تشكلّت من مزيج فن حضارات شرقية، وأخذت هويتها مع الوقت، إلّا أن البعد اللاهوتي يبقى الأهم، وهي تتبع مقياس جمال إلهي وليس بشريّ، لأن الجمال هو جمال الروح والطهارة والقداسة وهو جمال دائم لا يشيخ ولا يدركه تآكل ولا عفن، ويتخطّى الأزمنة والأمكنة. كما شدّد خلال عرضه على الخلفيات الفكرية والروحية لكتابة الأيقونة ومعناها اللاهوتي والزمني من خلال تفسير مفصّل لأهم الأيقونات وكيفية قراءتها، شارحاً لتاريخيتها ومكانتها في المسار الروحي والإنساني نحو العيش بسلام داخلي ينعكس سلاماً مع الآخرين يومياً.
بعدها قام الأب شربل بو عبود بعرض تكلّم خلاله عن كيفية تعرّفه على كتابة الأيقونة والمسار الذي يتبعه كاتب الأيقونة من صلاة وصوم وتأمل قبل وخلال عملية الكتابة. كما شرح عن العلاقة الروحية التي تجمع الشخص الذي يكتب الأيقونة وصاحبها، وكيفية انعكاس هذه العلاقة في تصرفات الشخص اليومية بينه وبين محيطه. فهذه العلاقة تتميّز بكونها مسار علاجي روحي وبأنها لا تقتصر على تعلّم فن الكتابة فحسب، بل تتخطاه لتؤسس لسيرورة متنوّرة للشخص ويجب أن تنعكس في ممارساته الحياتية اليومية. من هنا، أوضح أن فتح باب تعلّم كتابة الأيقونة لعامة الناس (حيث كانت تقتصر على الرهبان والراهبات) هو بمثابة ثورة روحية ضمن المجتمع تسمح ببناء سلام ذاتي ومجتمعي للأشخاص الممارسين لتلك الكتابة. وأشار الى أن عدد الممارسين أصبح وازناً بين بيروت والشمال (زغرتا)، ومن كل الفئات العمرية ومن الإناث والذكور، موضحاً أنه قد تم تأسيس نقابة ضمن وزارة العمل للسهر على متابعة التزام الممارسين للقواعد الروحية والعملية في كتابة الأيقونة. وتطرق الى شرح بعض القواعد الأساسية في كتابة الأيقونة: فالوجوه فيها تنظر مباشرة إلى الناظر إليها وتدعوه ليماثلها، بينما الوجه النصفي بالكامل هو لمن يرزح تحت ثقل الخطيئة؛ الأذان يجب أن تكون كبيرة لتستمع كلمة الرب، والأنف طويل ليتنشّق رائحة القداسة، والفم صغير لأن الروح القدس المتكلم فينا. ولا ننسى أن الرصانة صفة الأيقونة، فتأتي الخلفيّة في الأيقونة ذهبيّة تعبيراً عن الملكوت الصافي الذي لا زغل فيه، والأجساد ممشوقة إلى العلى، وكل شيء منجذب إلى فوق، إلى الله.
وتعرّض الأبوان شهوان وبو عبود الى رمزية الألوان في الأيقونة، وأن كل لون تتم قراءته بناء لخصائص الأيقونة والشخص أو الأشخاص الموجودين فيها: فاللون الخمري يشير إلى المجد، والأصفر الذهبي إلى الملكوت، والأزرق إلى الخلق وأيضاً إلى الهدوء، والأخضر إلى الحياة الجديدة بالروح القدس، والترابي الداكن إلى الجهاد، والأصفر الباهت إلى الحزن، والأحمر إلى الشهادة، والبنفسجي إلى الصوم، والأبيض إلى النقاوة، والذهبي إلى الملوكيّة، أمّا الأسود فيشير إلى الظلمة لأنّه ليس لونًا بل انعدام النور. وأشارا الى أن المواد المستخدمة في كتابة الأيقونة كلها طبيعية من خشب رطب والألوان النباتية الممزوجة بصفار البيض والقماشة البيضاء التي تلف الخشبة وهي رمز للقماط الذي يلف الطفل عند ولادته والكفن الذي يعود ويلفه في رقاده.
وقد تطرقت السيدة هند مرعب الى معنى الأيقونة بأنها إنجيل مصّور وشرحت ما تقوم به جمعية “شموع الأمل” بمجال كتابة الأيقونات بالتعاون مع الأب شربل بو عبود منذ العام ٢٠١٦، من خلال تنظيم دورات متتالية ومعارض. وأوضحت أن المشاركين هم نساءً ورجالاً ومن أعمار متنوّعة، وعن كيفية الإستعداد لكتابة الايقونات من خلال الصلاة والصوم وقراءة الكتاب المقدّس. ومنذ بداية العمل تُكتب الأيقونة في جو من الصلاة والموسيقى والبخور، ويتم استلهام الروح القدس لكتابة ملامح موضوع الايقونة. وشرحت كيف تُبارك الأيقونات بصلاة خاصة، وايضاً تُبارك الأيادي وتُمسح بالزيت في نهاية العمل. وجاءت كلمتها كشهادة حياة لها ولكل من يمارس كتابة الأيقونة في الجمعية، وأشارت الى أن الايقونة في اجتذابك مع بدء العمل فيها من خلال الالوان وكل خط من خطوطها بدًا بالرسم والألوان وصولا الى النهاية هنا يختبر كاتب الايقونات الصبر والتروي في اظهار الخطوط التي تظهر في ملامح الايقونة. وأنه يجب ان تتوفر الاجواء اللازمة في وقت كتابة الايقونات منها قراءة المزامير الصلاة الداخلية الموسيقى والبخور الذي يرتفع حاملًا معه صلاة كاتب الايقونة. وبعد الانتهاء من العمل يشعر الكاتب بأنه في فرح وسلام، وأنه انجز صلاته، وهنا تكمن اهمية هذه الرسالة التي نراها اليوم في مجتمعنا تتجلى وتعود من خلال الكثير من محبي كتابة الأيقونات البيزنطية والعودة الى التراث، ودعت الحضور إلى خوض هذه التجربة لأنها إتحاد مع الله وشعور بسلام داخلي للكاتب ونعمة من الله.
وتجدر الإشارة أن السيدة رندلى مساعد يمّين كانت تقوم بكتابة أيقونة بشكل مباشر وحيّ خلال الجلسة، وعرضتها في نهاية اللقاء.
وبعد العروض القيّمة من قبل المحاضرين كان هناك نقاش ومداخلات وتساؤلات وأجوبة تميّزت بتفاعل فكري وحواري مهم، كما شددت على أن هذا النوع من اللقاءات له أهمية كبيرة في فهم واحترام بعضنا البعض مع الحفاظ على تنوّعنا الذي هو غنى هذا البلد ودليلاً على كونه وطن رسالة ليس فقط لمواطنيه إنما للعالم بأجمعه.