النزوح السوري بالآلاف بات أزمة خانقة والوزراء يغيبون عن المسؤولية ويطيرون النصاب. عبد اللهيان: لم يعد هناك مصلحة لإيران للظهور كمعرقلين للإنتخابات الرئاسية اللبنانية

مقال للكاتب صفوح منجّد
نشر في موقع ناشطون
في ظل الإنحلال في مؤسسات الدولة والأزمات والإنقسامات التي يعاني منها البلد على مختلف الصعد الإنتمائية والسياسية والإقتصادية والإنمائية، فقد خيمت على لبنان عشية يوم الجمعة في 8 الجاري سحابة إشراق وحياة وتلاقٍ ورسالة بين اللبنانيين هزت مشاعرهم وإستطاعت أن “توحي” إليهم أنّ لبنان قادم على مرحلة جديدة مع الزيارة التي قام بها البطريرك الراعي للمختارة في إطار زيارة للجبل بدعوة من شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي ابي المنى لتثبيت المصالحة التي تمت بين البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير والنائب السابق وليد جنبلاط منذ 22 سنة.
تلك الزيارة التي أكّدت القدرة على تجاوز الإنقسامات الفوقية ودعم وتفعيل المصالحات الوطنية التي تحققت سابقا وكاد أن يخترقها مجددا التمزّق في لغة الحوار والتلاقي وفي أن يعود لبنان لتخيّم عليه إمكانية أن يشرق السلام على كل لبنان ساحلا وجبلا وليس فوق منطقة معينة بحد ذاتها، وأنّ البلد هو واحد موحّد وبإمكانه أن يعود واحدا بقيمه وشعبه الواحد.
ولكن تلك المواقف والمشاعر تصدّى لها من كانوا ولا يزالون يصطادون في الماء العكر، فبرزت من أوكارها وجحورها لتنشر الأحقاد وكل ما من شأنه تأليب القوى الوطنية ودفعها نحو التجييش وبث النعرات والتي ظهرت من “براثنها” حقيقة من يقف وراءها لدفع الأمور نحو “التفجير” وإشعال الفتن سواء داخل البيت اللبناني أو في مواقع الإصطفافات وأماكن التجمعات العائدة للنازحين.
والشرارة التي كان لها التأثير في بعض التجمعات أنّ مركز رئاسة الإنتخابات الرئاسية بات في مصلحة قائد الجيش وأنّ العمل جارٍ في مواقع القرار الدولي والعربي لتظهير ذلك من خلال الإجتماعات التي سيعقدها الموفدون العرب والأجانب خلال الساعات القادمة في لبنان.
وفي الحقيقة الله يرحم هذا البلد وينجيه من أيدي العابثين بأمنه وبحياة أبنائه، ويمكّن العقلاء في كل القوى والأحزاب والطوائف من وقف “الإندفاعة” المخطط لها لدفع لبنان إلى مزيد من التمزق ووقف إنحداره نحو منزلق خطير هو “جريمة موصوفة” في حال عدم مسارعة “القوى الوطنية” التي كانت ولم تزل هي صمام الأمان لهذا الشعب الطيب، فيكشفون للرأي العام حقيقة “ما دُبِرَ في ليل” وما يجري تأجيجه من إقتتال هنا وهناك بين إخوةٍ يراد لهم أن ينزلقوا إلى هذا المستنقع النتن الذي لطالما دفعوا بهم إليه مرارا وتكرارا وخرجوا منه بعد أن دفعوا الثمن غاليا نتيجة إنصياعهم إلى هذا المخطط الجهنمي الذي قُدّر له أن “يفتح أبوابه” في مخيّم “عين الحلوة” من قِبل أناس كل همهم عدم تسهيل وصول قائد الجيش جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية.
وهؤلاء الأبالسة لم يخفوا حقيقة أهدافهم وأنهم (لن يتخلوا عن السلاح إلآ عند التخلّي عن ذاك الترشيح، عِلما أن لا علاقة لهم أصلا بهذا الترشيح الذي يخص اللبنانيين فقط لا غير وأنه يراد توريطهم في هذه القضية اللبنانية الوطنية.
وفي الوقت نفسه حذّر المراقبون من أي إنزلاق قد يتم من خلاله إلى دفع الجيش اللبناني للتورط في الأحداث الجارية في “عين الحلوة” تخوفا من وجود من يعمل في الظلام لهذا التورط في الظروف والأوقات الراهنة وهذا ليس خافيا على أحد ولكنه يتطلب الرقابة و”العيون المفتوحة”.
فالمتمعّن والمدقق بتلك التصاريح والبيانات التي توالت على الصدور منذ أيام، يدرك حقيقة الأمور، بل أن المتابع لبعض الزيارات التي قام بها عدد من المسؤولين الأجانب (يعني غير العرب) يستدل بسهولة ما إستُخدم من أعمال تحريض وتنبؤ بأحداث معينة في الجنوب هي خير دليل على ما يجري ربطه اليوم بين إستمرار الإقتتال داخل مخيم “عين الحلوة” وبين قوافل النازحين القادمين من سوريا والذين يتم إرسالهم إلى لبنان عبر بوابات العار وبأساليب معروفة لدى من يقوم بإرسالهم سواء ما يتعلق منها بأماكن العبور والطرق التي يتّبعونها للتخفي والتي لم تعد “خافية” على أحد على إمتداد حدود الفصل بين لبنان و “الأشقاء”.
والقضية يمكن توضيحها أكثر خاصة لجهة كشف المتلاعبين بالوضع اللبناني وبالتالي لا يهمهم شيىء إلآ توريط لبنان بالمزيد من الهموم والإشكالات والمشاكل الإقتصادية والمادية والحياتية، فالأمر المستغرب يكمن في كثافة نزوح هؤلاء الذين يزيد عددهم عن الف نازح يوميا، فكيف سيتم تأمين حاجيات هؤلاء ومأكلهم ومشربهم ومبيتهم إلآ إذا كانت متطلبات ذلك قد تم تحضيرها مسبقا، وهكذا هو ما يتم ترتيبه قبلا واثناء النزوح وبعده، والله وحده يعلم ما تمّ إتخاذه من قرارات بخصوص هذه المسألة.
ولكن المعيب هي الدعوة التي وجهتها رئاسة الحكومة لعقد إجتماع طارىء لمجلس الوزراء لبحث هذه المسألة التي لا يمكن وصفها إلآ ب “جريمة” بحق لبنان، والغريب بل المستهجن أنّ هناك عددا لا بأس به من الوزراء آثر التغيّب عن تلك الجلسة، بل أن بعضهم حضر ولكنه عاد وغادر القاعة حتى لا يسهّل عملية تأمين النصاب القانوني؟؟؟.
وبسبب عدم تأمين النصاب للجلسة عمد رئيس الحكومة إلى عقد لقاء تشاوري في السرايا مع الوزراء الحاضرين وقائد الجيش والمدير العام للأمن العام.
وإثر الجلسة شدد الرئيس ميقاتي على أن الحكومة لم تتأخر يوما عن إتخاذ القرارات المناسبة في هذا الملف وأن الجيش وسائر الأجهزة الأمنية يقومون بواجباتهم في هذا المجال، ولكن المطلوب هو إتخاذ موقف وطني جامع وموحد بشأن كيفية مقاربة هذا الملف لاسيما النزوح المستجد لمئات السوريين عبر نقاط عبور غير شرعية.
على صعيد آخر وعلى وقع إشتداد المعركة العسكرية في “عين الحلوة” لم تهدأ الإتصالات السياسية للتوصل إلى وقف إطلاق النار والأعمال الحربية، فيما تحدثت حركة “فتح” عن تقدم في منطقة حطين دون حسم ونحو تجمع مدارس “الأونروا” .
وعلى وقع إشتداد المواجهة العسكرية لم تهدأ الإتصالات السياسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بشكل شامل وقاد جانبا منها رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي إتصل بالرئيس الفلسطيني محمود عباس مشددا على “أولوية وقف الأعمال العسكرية والتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية لمعالجة التوترات القائمة”.
أما على الصعيد السياسي فمن المقرر أن يكون الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان قد وصل ليلا إلى بيروت في زيارة هي الثالثة له منذ بدء مهمته وقد تستمر إلى ما بعد الخميس المقبل يلتقي خلالها جميع الفرقاء في مجلس النواب، كما تشمل مواعيد لودريان خارج المجلس النيابي زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وقائد الجيش العماد جوزاف عون.
في غضون ذلك من المتوقع أن يكون الوزير السعودي نزار العلولا وسفير السعودية في لبنان وليد البخاري قد إلتقيا لودريان في باريس قبل توجه الأخير إلى بيروت.
وأعلن قصر الإليزيه ان إجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد تأجل من مساء السبت في الهند على هامش إجتماع مجموعة العشرين وذلك وفق بيان صدر عن الرئاسة الفرنسية وأعلن فيه أن ماكرون ألغى كل الإجتماعات التي كانت مقررة قبل قمة نيودلهي من دون مزيد من التفاصيل حيث كان من المتوقع أن يتم في ذلك الإجتماع البحث في القضية اللبنانية لاسيما ما يتعلق بالإنتخابات الرئاسية.
ولفت المسؤولون اللبنانيون المحاولة التي حاول القيام بها “حزب الله” ليوحي بها أنه مسهّل للإستحقاق الرئاسي اللبناني بطلب إيراني، فبعد لقاء الساعة ونصف الساعة الذي عقده ولي العهد السعودي مع وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الشهر الماضي في جدة، لم تعد هناك مصلحة إيرانية وتحديدا من خلال “حزب الله” للظهور بمظهر المعرقل، فهو من ناحية يُظهر اللين في القول أنه يريد حلاً رئاسيا، بينما هو في الواقع مسؤول عن التعطيل بدليل أنه يرفض التراجع عن المرشح الذي يدعمه.
وخلصت الأوساط إلى القول “هناك وجهة نظر تفيد أن الثنائي الشيعي بدأ يمهّد فعلا لمرحلة جديدة بعدما وصل إلى أفق مسدود وأدرك أن الإنتخابات الرئاسية بشروطه لم تعد قائمة.