مقالات

د. خوجة “اذا كان سلامة قد تصرف كفرعون فليتحلى منصوري بشجاعة النبي موسى”

كتب الدكتور طلال خوجة اليوم في جريدة النهار مقالة تحت عنوان “اذا كان سلامة قد تصرف كفرعون فليتحلى منصوري بشجاعة النبي موسى” وفيها:

 اين اختفى رياض سلامة قبل ان يطهر أخيرا في مأتم شقيقه؟ سؤال كان يكرره اعلاميون ومهتمون و اناس عاديون ومودعون موجوعون في الاسابيع الأولى لمغادرته البنك المركزي في آخر تموز بهيصة صغيرة لم يكن فيها من الهضامة شيئا. ذلك ان هذا الفرعون كان مسؤولا مباشرا بحكم موقعه كحاكم مصرف لبنان لعقود عن اسوأ أزمة نقدية ومصرفية ضربت بلاد الأرز. كما كان مسؤولا مباشرا عن ادارتها بسيل من التعاميم والقرارات التي اجبر المودعون على الخضوع لها ولاستسابية تطبيقها من قبل المصارف التي عمل معظمها على التنكيل بالمودعين وتحميلهم أثقال أزمة القطاع المصرفي عوض العمل على مواجهة السلطات المسؤولة سويا. لم اكن الناشط الوحيد الذي اطلق على رياض سلامة لقب الفرعون. فقد افاضت اريحية اللبنانيين سلة الألقاب و الطرائف السوداء التي شكلت مسكنات للوجع في غياب قوة سياسية معارضة و حركة نقابية مستقلة ومجتمع مدني ناشط لمواجهة هذه الازمات وهذه القرارات و لتمسك بيد الشعب المقهور بعد تعثر وقمع انتفاضة الغضب التشرينية. وفي الواقع فان سلامة لم يكن سوى فرعونا صغيرا في فئة سياسية من الفراعنة وانصاف الآلهة يتقدمها ويعلوها ويخيفها أيضا الحزب الإلاهي المدجج بالايديولوجيا وبفائض القوة المسلحة. لا يمكن انكار ان سلامة حاول ثني الحكومة المحمية من حزب الله و المدعومة من الرئيس السابق و قوى الممانعة عموما عن قرار التعثر المالي، كما حمى و حيد الآلاف من أصحاب الميكرو ودائع بالليرة عند صدور التعميم ١٥١، ولكنه تآلف سريعا مع سياسة الدعم الكاذب وتداعياته والتي ابتلعت مليارات الدولارات منذ إعلان الأزمة. فقد اوصلت السلطة السياسية بجناحيها الميليشياوي المرتهن والمافيوزي المتواطئ البلاد والعباد الى حد الانهيارات السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية. لم تكتف هذه السلطة بعدم التصدي لمعالجة اسباب الازمات، بل ساهمت بتعميقها بسياسة الريع والدعم الملتبس و التي شكلت ستارا لمتابعة الهدر والنهب والتهرب على انواعه و التهريب بكل مفاسده وممنوعاته، و لكل ما يؤدي للاقتصاد الموازي الأسود الذي قذف بالبلد الجميل والغني بتنوعه وبشره الى كعب لائحة الدول الفاشلة. لا شك بأن اي عملية احصاء جدية كانت ستظهر رغبة اللبنانيين الجامحة بمشاهدة سلامة الملاحق بدعاوي شتى مرميا وراء القضبان، وبالطبع مشاهدة الفراعنة الآخرين وراء القضبان أيضا. لكن مسلسل الاحداث والازمات المصيرية(وفي لبنان المتعب اصبح كل حدث مصيريا، وكأننا اصبحنا في متاهة المصير)يثقل ذاكرة اللبنانيين ويمحو بعضا منها، سواء الأزمات الناتجة عن الفراغات او الإفراغات الدستورية و القضائية و الادارية، سواء الناتجة من الحرب على غزة و إقحام حزب الله لبنان بما سماه سياسة المشاغلة في الميدان المرعية ايرانيا والتي تقامر بالبلد وأهله دون أن تخفف من هول المذبحة الجارية في فلسطين. قلة من اللبنانيين اسفت لانتهاء مهمة سلامة المديدة، وبعضهم ربما ساهم في اختفائه ووضع شبكة امان على هذا الرجل المهم والملم. ورغم ان أعضاء المجلس المركزي بمن فيهم نواب الحاكم السابق لم يأتوا من السماء، الا أن اقتحامهم الميدان بعد تردد وارتباك لاقى استحسانا متدرجا، رغم كل التعقيدات السياسية والطائفية والادارية التي رافقت هذا الاقتحام. لن أدخل في تحليل نقدي ليس من اختصاصي لأداء الحاكم بالنيابة د.وسيم منصوري، إلا أنني أعيد تسجيل الارتياح العام الذي رافق مقارباته لمعظم القضايا المصرفية والنقدية والمالية التي تقض مضاجع اللبنانيين الذين قذفهم فراعنة السياسة و المال و النقد الى قعر الهاوية، رغم الاستمرار بالمنحى الاجمالي لسياسة سلامة. وأهم هذه المقاربات وقف استنزاف ما تبقى من احتياطي الزامي من قبل السلطة، و الحفاظ “ما أمكن حتى الآن بانتظار الفرج السياسي” عبر اجراءات وتدخلات نقدية غير معقدة على سعر الليرة نحو الدولار في السوق، و وقف منهبة “صيرفة سلامة” في البنوك التي أكملت على ما تبقى من احترام للقطاع المصرفي بعد تجارة الشيكات ودفع القروض بدولار رسمي وابتداع رسوم تشغيل استنسابية، لامست مستوى التنكيل احيانا، و ساهمت مع الهيركات المجرم بالتعميم ١٥١ بمحي معظم الودائع الصغيرة. ان محاولة د.منصوري استعادة ثقة المواطنين بالمصرف المركزي عبر بعض التعديلات و الاجراءت والتعاميم والاقتراحات تصب في الاتجاه الصحيح، علما انها وردت في اسئلتنا التي وجهناها عبر قضايا النهار في مقال سابق حمل عنوان اسئلة مباشرة للدكتور منصوري. لذا نأمل ان يتسع صدره لملاحظاتنا التالية: اولا : نأمل ان لا تؤدي ضغوط الطبقة السياسية إلى توظيفات زبائنية غير ضرورية في المصرف المركزي، كما تواتر وتسرب مؤخرا. ثانيا : بالنسبة لموضوع الضريبة على ارباح القروض والتي تقول الحكومة انها تبنته. نرى ضرورة الاصرار على استرجاع ما يمكن ارجاعه مهما كلف الامر، خصوصا من المتنفذين والميسورين الذين سهلت لهم هذه الفاحشة من قبل سلامة والسلطة الفاسدة وجرى ارضاء اصحاب البنوك بأساليب ملتبسة، ما جعل الثمن مدفوعا كاملا من المودعين المستضعفين. وتشير الهجمة المضادة من قبل رجال المال والاقتصاد وبعض السياسيين للطبيعة السياسية والادارية و الطبقية لاكثرية المستفدين. ثالثا: جاء التعميم ٦٨٢ القاضي بالسماح للاستفادة من التعميم ١٥٨ لمن نقل وديعته الدولارية المودعة في مصرف ما قبل ٣١/١٠/٢٠١٩ الى بنك آخر بعد هذا التاريخ في الاتجاه الصحيح لجهة اقرار العدالة. ومع ذلك فإن العدالة تقتضي ان تكون الافادة بمفعول رجعي منذ صدور التعميم ١٥٨ ولو بالتقسيط المرن، علما أن المفعول الرجعي المقترح في النص لجهة البدء بوقت تقديم الطلب هو غير فعال، لأن البنوك لم تبدأ به بعد اكثر من شهر على صدوره. و نقترح اشراف مباشر من لجنة الرقابة على المصارف المختفية بتنفيد التعميم و تعديله لاحقاق العدالة التي هتكها الفرعون سلامة حين أصدر التعميم. رابعا : نكرر ما قلناه مرارا بالنسبة للتعميم الكارثي رقم ١٥١، بأنه بات ملحا تعديله لجهة وقف الهير الكات وانزال السقوف بما يحفظ الحجم الحالي للكتلة النقدية بالليرة، علما أننا أعطينا مرارا أمثالا على ذلك. ولا يجب انتظار الحكومة وميزانياتها التي لا نعرف كيف ومتى ستقر، خصوصا أنها اشكالية و فضائحية، إذ انها تحمل المواطنين العاديين أوزار الازمات والانهيارات الناتجة عن سياسة السلطات المتعاقبة، وخصوصا سلطة فائض القوة المرتهنة و التي افقرت لبنان و حولته ساحة للرسائل والمواجهات. خامسا : وهذا ينقلنا الى المطالبة الجدية بوقف مهزلة الودائع المؤهلة والغير مؤهلة التي اخترعها الفرعون سلامة والتي ظلمت بالدرجة الاولى المتقاعدين والمدخرين من الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى. و الأحرى ان يستلهم د.منصوري من صفات وشجاعة النبي موسى بمواجهة الفراعنة ويعمل لعنوان بديل هو الودائع المشروعة والودائع الغير مشروعة وفي المقدمة ودائع الأشخآص المعرضين والمحميين. وطبعا لن يقول له المودعون واللبنانيون عموما قاتل لوحدك إننا هنا منتظرون. اذ يمكن ان يحفز هذا الموضوع أيضا قوى متنوعة سياسية، تغييرية ومستقلة، و قوى نقابية، مهنية وعمالية، و قوى من المجتمع المدني الواسع عموما، ما يعيد العمل الشعبي الديمقراطي إلى الواجهة مجددا. علما أننا لا نحمل أوهاما حول قدرة و دور د.منصوري ومجلسه المركزي في حل الازمات النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، فتلك قصة أخرى يبدأ حلها في السياسة وتعقيداتها المفتوحة على كل الاحتمالات.

زر الذهاب إلى الأعلى