مقالات

عكار بين مطبات عشوائية وتخاذل رسمي… المحافظة الغائب الحاضر

 

كتب الدكتور  زياد اسعد منصور على صفحته عبر فايسبوك تحت عنوان:عكار بين مطبات عشوائية وتخاذل رسمي… المحافظة الغائب الحاضر

مطبات “سياسية” على الطرقات

في عكار، المطبات الإسمنتية ليست مجرد وسيلة للحد من السرعة، بل تحوّلت إلى رمز للفوضى. مطبات تنبت فجأة في منتصف الطرق العامة، من دون إذن رسمي ولا دراسة هندسية. لا أحد يجرؤ على إزالتها، لكن كثيرين يتجرأون على إقامتها. والنتيجة: حوادث سير يومية، سيارات متضررة، وأرواح مهددة.

الأخطر أن هذه المطبات محمية سياسياً. في لبنان، كما يقول العكاريون، كل مخالف مدعوم، وكل ما هو قانوني يصبح غير مشروع.

تقصير المحافظ وجهاز المحافظة

المحافظ، ممثل الدولة في المنطقة، يبرر عجزه بعدم وجود إمكانات. لكن الأهالي يتساءلون: هل فعلاً لا إمكانات؟ هناك وسائل عدة لتطبيق القانون: عبر التنسيق مع البلديات، قوى الأمن الداخلي، وزارة الأشغال، وحتى المبادرات الأهلية. العجز هنا أقرب إلى تخاذل مقصود منه إلى قلة حيلة.

الطريق الدولية… وعود بلا تنفيذ

المثال الأوضح هو الطريق الدولية من ببنين – العبدة إلى مفترق حمص. طريق رئيسية تمر عليها آلاف السيارات يومياً، تحولت إلى حفرة مفتوحة. حضر المحافظ العام الماضي حفلاً احتفالياً أطلقوا عليه “إعادة تأهيل”، لكنه بدا أقرب إلى تمثيلية إعلامية. اليوم، ونحن على أبواب الشتاء، لم يُعبّد الطريق بعد. المواطن يتساءل: لماذا صمت المحافظ والنواب معاً؟ ولماذا لا يرفع المحافظ كتاباً واضحاً إلى وزارة الأشغال يحمّلها المسؤولية؟

جهاز يعمل وفق ما يفيد

المحافظة تبدو جهازاً صامتاً، لا يتحرك إلا فيما يخدم مصالح ضيقة. ما يفيد الناس يصبح عدواً لها، وما لا يفيدهم يتحول إلى أولوية. المواطنون يرون أن هذا ليس غياب قدرات فحسب، بل تخاذل ممنهج يختار الملفات التي تخدم “النافذين”، ويترك ما يعزز المصلحة العامة.

من الطرقات إلى الدوائر الرسمية

المسألة لا تقف عند الطرقات. في دوائر النفوس، وفي دوائر المساحة والتنظيم المدني، بل في كل مؤسسة تقريبا تتكدّس الخروقات: معاملات مؤجلة، رشاوى مقنّعة، بيع الطوابع البريدية بأثمان مضاعفة، وكل ذلك على أعين الأجهزة الرسمية. بعض المرتكبين محمي لأنه يؤدي أدواراً “خدمية” أو “جوسسية” لصالح هذا أو ذاك من النافذين.

المفارقة أن المحافظة لا علم ولا خبر، وكأنها خارج المشهد. لا أحد يجرؤ على إزالة مطب وضعه أحد النافذين، لكن هناك دائماً من يتجرأ على إقامته. في لبنان، يبدو أن “المخالفة” وحدها محمية، بينما “القانون” عارٍ من أي حماية.

المطب ليس مجرد إسمنت أو حديد، بل انعكاس لمنطق الدولة المعكوس: كل ما هو قانوني يصبح غير مشروع، وكل ما هو مخالف يجد ظهرًا سياسيًا أو حزبياً يحميه. المواطن يضطر إلى التعايش مع مطبات لا تراعي سلامة السير ولا المعايير الهندسية، فتتحول إلى مصدر حوادث بدل أن تكون وسيلة للوقاية.

المسؤولية هنا تقع على عاتق السلطة المحلية والإدارات المعنية، وعلى رأسها المحافظ الذي يمثل الدولة في المنطقة. لكن في ظل التوازنات السياسية، يغدو قرار إزالة مطب أصعب من اتخاذ قرار إنمائي.

يبقى السؤال: هل سيبقى المطب رمزاً لـ”دولة مخالفة” تحكمها الواسطة والزبائنية، أم سنرى يوماً ما قانوناً يعلو على الإسمنت السياسي المزروع في الطرقات؟

كارثة وفوضى

النتيجة واضحة: فوضى تضرب أسس النظام والتنظيم. طرق محفّرة، مطبات عشوائية، مؤسسات رسمية منهكة، تجاوزات على القانون، وحماية سياسية تمنع المحاسبة. في بلد طبيعي، المحافظ هو رأس الهرم الإداري المسؤول عن مواجهة هذا الانهيار. أما في عكار، فالناس يرون أن المحافظ وجهازه جزء من المشكلة لا من الحل.

الخلاصة

على أبواب الشتاء، ومع تفاقم الأزمات، لا يطالب العكاريون بترف الإنماء، بل بحد أدنى من المسؤولية: طريق دولية صالحة، مؤسسات بلا فساد، ومطبات قانونية لا عشوائية. لكن، حتى هذه المطالب البسيطة، تبدو بعيدة في ظل صمت رسمي يوازيه حضور قوي للواسطة السياسية، لتبقى عكار ضحية تخاذل إداري وفوضى منظمة.

زر الذهاب إلى الأعلى