البطريرك الراعي زار طرابلس لمناسبة اختتام السنة اليوبيلية: السلام هو الخيار الدائم والأفضل

زار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مدينة طرابلس، يرافقه النائب البطريركي للشؤون القانونية والقضائية والمشرف العام على توزيع العدالة في الكنيسة المارونية المطران حنّا علوان، وذلك بدعوة من رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، لمناسبة اختتام السنة اليوبيلية التي أعلنها البابا فرنسيس، والاحتفال بيوبيل المكرّسين الذين أمضوا ما بين 25 و50 سنة في الخدمة الكهنوتية والرهبانية، تكريماً لعطائهم وتتويجاً لمسيرتهم.
المحطة الأولى كانت في مطرانية الموارنة – قلاية الصليب، حيث كان في استقبال البطريرك الراعي، إلى جانب المطران سويف، لفيف من الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، وعدد من الشخصيات السياسية والرسمية، بينهم النواب أشرف ريفي، إيلي خوري، فيصل كرامي، طه ناجي وجميل عبود، الوزير السابق محمد الصفدي، محافظ الشمال بالإنابة القاضية إيمان الرافعي، إضافة إلى فاعليات دينية واجتماعية.
سويف
وأوضح المطران سويف، في كلمة ترحيبية، أن “زيارة البطريرك الراعي تندرج في إطار اختتام السنة اليوبيلية التي أعلنها البابا فرنسيس “سنة الرجاء”، كما تشكّل محطة خاصة للاحتفال بيوبيلي المكرّسين الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الإنسان من خلال الكنيسة، في المدارس والمستشفيات ودور الأيتام والمؤسسات الإنسانية”، مؤكدا أن “هذا اللقاء يشكّل تكريماً مستحقاً لهؤلاء الذين خدموا بصمت وأمانة”.
وشدّد على أن “طرابلس مدينة عريقة بتاريخها وإرثها الروحي والإنساني والاجتماعي والوطني، وأنها تمثل نموذجاً للعيش المشترك والتعددية وقبول الآخر، ليس للمدينة فحسب بل لكل لبنان”، معتبرا أن “حضور البطريرك الراعي في هذه المحطة يرسّخ هذه القيم ويؤكد رسالة طرابلس كمدينة للسلام”.
ولفت إلى “الدور الجامع الذي يؤديه مفتي طرابلس والشمال”، معبّراً عن “اعتزازه باستقبال المفتي للبطريرك في مأدبة أخوّة ومحبة وتضامن، في خطوة تعكس جوهر طرابلس ورسالتها، وتؤكد مسؤولية الجميع في بناء لبنان الرسالة، ليس على الجغرافيا اللبنانية فقط، بل في كل المنطقة التواقة إلى الخير والسلام”.
الراعي
بدوره، شكر البطريرك الراعي للمطران سويف والحضور حفاوة الاستقبال، مشيداً ب”العلاقات الإسلامية – المسيحية في طرابلس”، ومؤكداً أن “العيد لا يكتمل إلا بحضور المسلمين والمسيحيين معاً”. وقال: “إن طرابلس باتت نموذجاً مميزاً للعيش المشترك، حتى أصبحت “العاصمة الثانية للبنان” بما تحمله من حيوية ونشاطات جامعة”.
وأكد أن “لبنان بلد متنوع ومتعدد، وأن هذا التنوع هو ثروته الأساسية التي شدد عليها البابا خلال زيارته للبنان”، معتبراً أن “السلام هو الخيار الدائم والأفضل، وأن طرابلس ستبقى مدينة السلام رغم كل التحديات”، داعياً إلى “ترسيخ ثقافة السلام والعيش معاً”.
كرامي
وعلى هامش اللقاء، رأى النائب فيصل كرامي أن “زيارة البطريرك الراعي إلى طرابلس تحمل دلالات وطنية جامعة”، مذكّراً بالدور التاريخي للمدينة في الحفاظ على الحوار بين اللبنانيين. وأكد أن “المسؤولية تقع على عاتق الجميع في حماية هذا الحوار”، مشيراً إلى “دعوة البابا إلى الحوار قبل السلام”، ومشدداً على “ضرورة تحقيق السلام الداخلي وتوحيد اللبنانيين خلف الدولة وبناء دولة القانون والمؤسسات”، متمنياً أن “تكون السنة المقبلة سنة حضور فعلي للدولة في طرابلس وكل لبنان”.
ريفي
من جهته، اعتبر النائب اللواء أشرف ريفي أن “زيارة البطريرك الراعي إلى طرابلس ذات مدلول وطني وإنساني كبير، وتؤكد خيار المدينة الثابت بالعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين”، مشيرا إلى أن “طرابلس مدينة التقوى والسلام، وأن هناك قراراً تاريخياً وصارماً بالعيش معاً رغم كل محاولات التشويه”.
وتطرق ريفي إلى عدد من الملفات الوطنية، مشدداً على “ضرورة إعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وإعادة أموال المودعين، وتوسيع مطار بيروت الدولي بشفافية، ومعالجة قضية السجناء السوريين واللبنانيين بشكل عاجل وعادل، وفتح مطار القليعات وإعادة تشغيل مصفاة النفط لما لهما من أهمية استراتيجية”، مؤكدا أن “قرار حصرية السلاح بيد الدولة هو قرار سيادي ووطني لا بد منه لحماية لبنان”.
المحطة الثانية من الزيارة كانت في كنيسة مار مارون، حيث ألقى البطريرك الراعي حديثاً روحياً مع المكرّسين، ثم ترأس قداساً احتفالياً عاونه فيه المطرانان علوان وسويف، ولفيف من الكهنة،وبحضور حشد من المؤمنين .
وبعد الإنجيل المقدس ألقى البطريرك عظة بعنوان :” حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتموت. تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير “.توجّه في مستهلها بالتحية إلى صاحب السيادة راعي الأبرشية والمطران حنّا علوان، وإلى الإخوة في الدين من كهنة، ورهبان، وراهبات، وإلى العلمانيين جميعًا، مؤكّدًا أهمية هذا اللقاء الروحي والكنسي الجامع.
وأشار إلى أنّ الأبرشية تعيش اليوم ختام يوبيل الرجال، بالتزامن مع الاحتفال بيوبيل خمسٍ وعشرين وخمسين سنة من التكريس الكهنوتي والرهباني، وهي مناسبة تحمل في طيّاتها نعمة كبيرة من الله. وفي هذا الإطار، قُدّمت التهاني لجميع المحتفلين بيوبيل الأبرشية ويوبيل الرجال، وللكهنة والرهبان والراهبات الذين أمضوا خمسًا وعشرين أو خمسين سنة في خدمة الدعوة والتكريس.
وأوضح أنّ زمن اليوبيل يدعونا إلى التوقّف عند ثلاث نظرات أساسية: نظرة إلى الماضي، ونظرة إلى الحاضر، ونظرة إلى المستقبل. فالنظرة إلى الماضي هي عودة إلى نقطة الانطلاق، إلى يوم الدعوة والتكريس بالنسبة للكهنة والرهبان، وإلى يوم العماد والمسيرة الأولى في الإيمان بالنسبة للعلمانيين، حين بدأ الوعي والإدراك لحقيقة الالتزام المسيحي.
وشدّد على أهمية العودة إلى تلك اللحظة التأسيسية لطرح أسئلة جوهرية: من أين انطلقنا؟ ما هي الوعود التي قطعناها؟ وما هي العهود التي التزمنا بها أمام الله والكنيسة ومن دون شروط؟ فهي محطة ضرورية لإعادة قراءة المسيرة الشخصية والجماعية.
أما النظرة إلى الحاضر، فهي دعوة صريحة لفحص الضمير: أين أصبحنا اليوم من نقطة الانطلاق؟ وأين نحن من وعودنا في العماد، وفي الزواج، وفي الحياة العلمانية، أو في الدعوة الكهنوتية والرهبانية؟ إنها لحظة صدق مع الذات، نقارن فيها بين نقطة البداية ونقطة الوصول في واقعنا الحالي.
و النظرة الثالثة هي استشراف المستقبل، انطلاقًا من هذا التأمل العميق في الماضي والحاضر، بهدف تجديد الالتزام والسير بثبات في الدعوة، كلٌّ بحسب رسالته، لبناء مستقبل أكثر أمانة للإيمان والخدمة.
تتمحور النظرة الثالثة حول الإشراف على المستقبل بوصفه زمنًا للتجدّد، لا تجددًا شكليًا أو عابرًا، بل تجددًا واعيًا ينطلق من قراءة عميقة للماضي، وفهم واقعي للحاضر، واستعداد مسؤول لما يحمله الغد. فالسؤال الجوهري لا يكمن فقط في شكل المستقبل، بل في كيفية العيش فيه، وما هو المطلوب من الإنسان اليوم، كلٌّ بحسب دعوته ومسيرته.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل شخصي وأساسي: ماذا يُطلب مني اليوم، سواء كنت مؤمنًا علمانيًا، أو رجل إيمان، أو شخصًا مكرّسًا في الحياة الرهبانية أو النظامية؟ وأين أصبحت الوعود التي التزمت بها، وكيف أترجمها في واقعي اليومي؟
وأضاف : إن استشراف المستقبل يستدعي وقفة تأمل وصلاة، على هدي الروح القدس، لمراجعة الذات وتجديد الالتزام، والانطلاق من إيمان حيّ يواجه تحديات العصر. فالمستقبل لا يُبنى بالانتظار، بل بالعيش الواعي لمتطلبات اليوم، وبالاستجابة الصادقة لحاجات الكنيسة والمجتمع.
من هنا، تبقى الدعوة مفتوحة أمام كل مؤمن، علمانيًا كان أم مكرّسًا، ليحيا إيمانه بعمق ومسؤولية، ويجعل من حياته شهادة حيّة تنسجم مع متطلبات الحاضر، وتؤسّس لمستقبل أكثر رجاءً والتزامًا.
مع ختام زمن اليوبيل، تكتمل المسيرة الروحية التي انطلقت من الإفخارستيا، مرورًا بالتأمل في الحاضر، وصولًا إلى استشراف المستقبل. فغاية اليوبيل ليست حدثًا عابرًا أو محطة زمنية فحسب، بل دعوة عميقة إلى “العودة إلى البيت”، أي إلى الجذور، من خلال قراءة الماضي، وفهم الحاضر، والانطلاق بثقة نحو المستقبل.
وفي هذا السياق، وُجّهت التهنئة لجميع المشاركين بنعمة اليوبيل، لما تحمله من معنى روحي عميق. فاليوبيل هو نعمة حقيقية، نعمة مفعمة بالفرح: فرح بالنعمة الإلهية، فرح بالتجدد، وفرح بالانطلاق في حياة جديدة. إنه ليس مكانًا نمرّ به، بل مرحلة أساسية في مسيرتنا الإيمانية، تفتح أمامنا زمنًا جديدًا نعيشه على ضوء الإنجيل.
ويستحضر إنجيل اليوم صورة حبّة الحنطة التي إذا وقعت في الأرض وماتت، أعطت ثمرًا كثيرًا. هذه الحبّة هي يسوع المسيح، الذي مات وصلب، فأعطى ثمرة عظيمة هي البشرية الجديدة، والكنيسة التي نشأت من موته وقيامته. هذا النهج، نهج حبّة الحنطة، هو الطريق الذي دُعينا نحن أيضًا إلى سلوكه: نهج العطاء والتضحية.
هذا النهج اختبره الآباء والأمهات، واختبره المكرسون والرهبان والراهبات، كما يختبره كثيرون في حياتهم اليومية. وهو متجسّد أيضًا في تاريخ الكنيسة، كما في مثال القديس مار مارون، حبّة الحنطة التي ماتت فأعطت ثمرة الكنيسة المارونية. وهكذا، يُدعى كل إنسان إلى أن يموت عن ذاته، لتكون الثمرة من الله، لا من جهده الشخصي.
إن الحياة من دون عطاء وتضحية تفقد معناها وقيمتها. سواء كانت الحياة علمانية، أو رهبانية، أو كهنوتية، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها حياة معطاءة، قادرة على أن تعطي ثمارًا كثيرة. فلا ثمرة من دون تضحية، ولا قيامة من دون بذل.
وفي ختام الاحتفال بزمن اليوبيل، سواء كان خمسًا وعشرين أو خمسين سنة من التكريس الكهنوتي أو الرهباني، رُفعت الشكر لله أولًا على نعمة الدعوة، وتمجيد اسمه على نعمة التسليم التي يمنحها من خلال هذا الزمن المقدس. إنها دعوة متجددة للعيش بحسب النهج الذي طلبه الرب يسوع: أن يكون كل واحد منا حبّة حنطة تموت، فتعطي ثمرًا كثيرًا. آمين.



