مقالات

شارل مالك: صائغ الحقوق الذي رأى في لبنان وطناً للحرية

 

كتب جوزف الخوري تحت عنوان :*شارل مالك: صائغ الحقوق الذي رأى في لبنان وطناً للحرية*

في الحادي عشر من شهر شباط، الذي يصادف تاريخ مولد المفكر اللبناني شارل مالك، نستذكر إنسان أحب الحياة، وعاش حُراً في أوصالها. إنه إبن بلدة بطرام الكورانية، حيث وُلدَ وكَبُرَ وكَبُرَت معه أفكاره، تاركاً كنزاً حضارياً غنياً بالفكر والفلسفة والمعرفة. هو الذي ارتبط اسمه جلياً بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان وبـ”الجبهة اللبنانية”، لكن يبقى السؤال الأهم: من هو شارل مالك الذي نريد التعرف عليه وحمل الإرث الذي تركه وغاب عام 1987؟

يصح القول أن شارل مالك كان إنساناً بعدة أبعاد تكمّل بعضها. له بُعد روحي، وآخر فلسفي، وثالث إنساني، تشكل جميعها نسقاً واحداً سلّمه للناس من بعده، وراهن على فهمهم لما أعرب عنه يوماً.

شارل مالك الذي ترعرع في بيئة أرثوذوكسية على الأخلاق والقيم الحميدة، وعلى مبدأ الإنفتاح على الآخر وعلى الأديان الأخرى، فهمَ أن اكتساب العقيدة المسيحية وحده لا يكفي. تقول فكرة مالك، إن الإنسان، مهما كان مذهبه، مدعو إلى تطبيق العقيدة بتفاصيلها للوصول إلى الحياة المثالية، حياة تليق بالإنسان الموجود على هذه الأرض. توجّه بجرأة إلى المسلم وخاطبه: “عِشْ إسلامك، كما أعيش مسيحيتي”.

هو الذي بحث عن الحقيقة في كل شيء، وسأل عن المعاني، وعمل بعزم وإرادة، لاعتقاده أن بهذه الطريقة يتكامل الإنسان مادة وروحاً. تأثر في بعده الديني بالقدّيسين أغسطينوس وتوما الأكويني، اجتمعا معاً في ذهنه، وأدرك أن عودة الإنسان إلى ذاته تعني الإحتكام إلى العقل من جهة، والتحلي بالإيمان من جهة أخرى، مع التوفيق بين العقل والايمان. إضافة إلى ذلك، تعلّم الكثير من القديس بولس، فلم تكن رسائل الأخير مجرد نصوص للمطالعة، إنما شكّلت أولاً إرثاً حضارياً مسيحياً للتناقل عبر العصور، وثانياً مادة للبحث عن دلالاتها وترجمتها في الواقع. وقد اختصرها القديس بولس عندما ردد: “العلم ينفخ، ولكن المحبّة تبني”.

كما توصل مالك إلى فلسفة، نواتها الإنسان. صنّفه كـ “ظهورة”، وفسر ذلك بأن الله أوجد الإنسان وأعطاه طبيعة للوجود نسميها الحياة. وأعمق ما يمكن فهمه من هذه المعادلة، أن الله هو علّة وجود الإنسان، ليكون بذلك مالك قد ثبت ايمانه المسيحي والروحي.

وهذا الإنسان، متى ما وُجِد على الأرض، عليه أن يثبِت وجوده، فرسم له مالك خارطة يسلكها بعزم وإرادة. وبقدر ما يتحدث مالك عن حرية الإنسان التي تعتبر جوهر وجوده، فإنها ليست حرية بلا قيود، هي قدرة على اختيار الحق والخير بوعي، وتحمّل المسؤولية دون أعذار أو هروب أو لعب دور الضحية، وكان مراراً يشير إلى أنه “لا حرية بلا محاسبة، ولا كرامة بلا مسؤولية”.

يمكن فهم هذه الخارطة من خلال قراءة لحياة مالك. فمن تفوقه في العلوم المادية كالرياضيات والفيزياء، انتقل إلى التفوّق في العلوم الفكرية والفلسفية، وربط بين حب الإنسان لتحصيل المعرفة وقاعدة أن لكل إنسان وزنة في مجال معيّن. أخذ بهذه الوزنات إلى مرتبة أرفع، هي الكون حوله. فبرز في التعليم الجامعي، وفي أجهزة الأمم المتحدة، ومثّل بلده لبنان، الفتيّ آنذاك، على الساحة الدولية.

وارتكز مالك على الحلولية، أي حلول الإيمان في الإنسان عندما يسعى لفعل شيء، فأوصله اندفاعه إلى المساهمة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكان من أبرز المدافعين عن كرامة الإنسان وسط أجواء مشحونة بالعنف والحروب. في هذا الفعل، أراد مالك أن يعلوَ إلى المثالية، وأن يترك لمساته الخالدة والعابرة للزمان والمكان، فلا يزول فعله حتى بعد حين. وبهذه الطريقة يثبت وجوده على الأرض، كياناً إنسانياً حراً.

وما ينطبق على الإنسان ينطبق نفسه على لبنان. هذا الكيان الذي أوجده الله وأعطاه طبيعة وجودية عُرفت بالحرية، حياة الإنسان اللبناني. وبالتالي لا يحتمل لبنان أن يحكمه نظام أو قوى تطغى على الحرية، لأن بزوال الحرية يتهدد وجود الكيان، ويظهر التهديد بأوجه الفوضى والإستبداد والإنحطاط.

ومن هذا الفهم العميق للحرية والكيان، لم يكن انضمام شارل مالك إلى “الجبهة اللبنانية” حدثاً عارضاً أو انفعالاً سياسياً ظرفياً، بل ترجمة طبيعية لمسار فكري وأخلاقي طويل. رأى في الجبهة، في لحظة وجودية قاسية من تاريخ لبنان، محاولة للدفاع عن جوهر الكيان لا عن سلطة، وعن الإنسان لا عن الغلبة. لم يدخلها بعقل المحارب، بل بعقل الشاهد والمسؤول، مدركاً أن الصمت في زمن تهديد الوجود هو تخلِ عن الحرية ذاتها. هكذا وقف مالك في صف من اعتبرهم حراس الفكرة اللبنانية، لا لأنهم معصومون، بل لأن المعركة، في نظره، لم تكن سياسية بحتة، بل معركة كرامة وحق في الوجود، حيث يصبح الدفاع عن لبنان دفاعاً عن الإنسان، والدفاع عن الحرية دفاعاً عن معنى الحياة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى