أبرز أخبار طرابلس

جمعية مارش اختتمت مبادرة تنظيف وأنارت قلعة طرابلس الأثرية، تحت عنوان *المصالحة من خلال الثقافة*برعاية  وزير الثقافة

اقامت جمعية مارتش بالتعاون مع بلدية طرابلس والجيش اللبناني الحفل الختامي لمبادرة تنظيف وإنارة قلعة طرابلس الأثرية، تحت عنوان *المصالحة من خلال الثقافة*برعاية  وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، ممثلا ب مدير عام الأثار في وزارة الثقافة المهندس سركيس خوري. وبحضور رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة محافظ الشمال دكتور ايمان الرافعي ونائب رئيس البعثة في السفارة البريطانية في لبنان والداعم الرئيسي لهذه المبادرة، فيكتوريا دان والعميد عبدالكريم أسعد ممثلا قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، والنائب السابق علي درويش إلى جانب فعاليات رسمية وعسكرية وثقافية واجتماعية من مدينة طرابلس.

بعد النشيد الوطني رحبت جوانا عطية بالحضور، مشيرة الى ان مشروع تنظيف القلعة هو عمل على هوية وعلى انتماء لاعادة احياء مرفق هام بالنسبة للمدينة.

ولفتت الي ان هذا المشروع يعطي قيمة لهذه اللحظة التي نسعى لنعيد فيها قلعة لا تزال تتمتع بالحضور.

وبعد عرض فيلم وثائقي عن قلعة ريمون دي سان جيل، ألقت رئيسة جمعية مارتش، السيدة ليا بارودي، كلمة رحّبت فيها بالحضور، وشكرت شباب الجمعية والعناصر العسكرية على التزامهم وجديتهم في العمل وأوضحت أن وجودنا هنا اليوم لا يقتصر على تكريم تاريخ قلعة طرابلس، بل للاحتفال بما يُكتب الآن. فهذا المشروع، كما قالت، ليس خطوة منفردة، بل جزء من مسار طويل تعمل عليه جمعية مارتش في طرابلس منذ أكثر من عشر سنوات، لإصلاح ما خلّفته الحروب والإهمال الممنهج في المدينة ومناطقها الأكثر تهميشًا.

وأشارت إلى أن مشروع القلعة ليس مجرد تنظيف أو إنارة، رغم أهمية القلعة كإرث وطني، بل إن قيمته الحقيقية تكمن في الشباب الذين وقفوا خلفه؛ شباب كانوا يومًا على خطوط المواجهة، وهم اليوم من نظّفوا القلعة، ورمّموا زواياها، وحملوا الحجارة، وعلّقوا الإنارة، وذلك بإشراف مديرية الآثار وبالتعاون اليومي مع الجيش اللبناني وجهاز الطوارئ والإغاثة.

وأكدت أن قصص هؤلاء الشباب تُظهر حقيقة بسيطة وعميقة: “أن الإنسان يتغيّر عندما يُرى ويُسمع ويُرافق، لا عندما تُلصق به الوصمات.” وختمت بارودي بالقول إن قلعة طرابلس اليوم أجمل وأنظف، ليس فقط بما أُنجز فيها، بل لأن هؤلاء الشباب شعروا أن لهم مكانًا ودورًا، وأن هذا البلد لا يزال قادرًا على منح فرصة ثانية.

وحيّت بارودي دور الجيش اللبناني كشريك أساسي في إعادة ربط الناس بالدولة، مشددة على أن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية والاحتواء، لا من القوة فقط. كما أثنت على دعم السفارة البريطانية الذي شكّل ركيزة أساسية لاستمرارية العمل المجتمعي في طرابلس، وعلى تعاون وزارة الثقافة وبلدية طرابلس في إنجاح المشروع.

ثم ألقت سمر كرم، مديرة الآثار في الشمال، كلمة شدّدت على أهمية صون المواقع التاريخية والتراثية في طرابلس، وان صونها يقع بالتزام وطني جماعي يشارك فيه كل فرد بهذا المجتمع وبكل مؤسساته لان التراث هو ركيزة مهمة واساسية عندمانتحدث عن هويتنا.وقالت:” عندما نتحدث عن التراث لا نقول انها مسؤولية الدولة فقط صحيح انها مسؤولية الدولة، ولكن عندما نقول اننا نريد ان نصون هذا التراث فهذا الامر يضع المسؤولية في سياق التزام وطني جماعي ومشاركة كل فرد ومؤسسة، فالتراث ليس فقط مجرد حجارة فخو ركيزة مهمة لكي نتحدث عن هويتنا الثقافية والذكرى التي ستحفظ من سبق وستحفظ ايضا هذا الجيل”.

تابعت قائلة:” ان المحافظة على الاثار تدخل ضمن مسار كامل من القيم والمعارف والعادات التي تشكل صلة الوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل لذلك من الضروري جدا انه عندما يشعر هذا المجتمع ان هذا الامر له ويدخل فيه في كل قطاعات من المؤكد اننا نكون بذلك نحافظ على تراثنا وعلى عملنا بشكل جيد، فهذه المعالم لم توجد فقط لنراها من بعيد بل لتكون على قيد الحياة ولنساهم في ذلك”.

تلتها كلمة رئيس بلدية طرابلس، الدكتور عبد الحميد كريمة، كلمة عبّر فيها عن تقديره الكبير لجهود جمعية مارتش ودورها المستمر في خدمة المدينة وشبابها، مؤكداً أن ما حققته الجمعية يتجاوز المشاريع الظرفية ليصل إلى صناعة فرق حقيقي في حياة الناس .وشدّد على أهمية المصالحة التي شهدتها طرابلس بين شباب كانوا في الماضي خصوماً، معتبراً أن جمعية مارتش أدّت دوراً محورياً في هذا التحوّل الإيجابي الذي أعاد الأمل إلى شوارع المدينة وقلوب أهلها. كما توجّه بالشكر إلى وزارة الثقافة ومديرية الآثار وبالترحيب بجميع الحضور في مدينة طرابلس، مؤكداً أن المدينة ستبقى مساحة للحياة، والانفتاح، والتلاقي، وأنها تستحق الدعم والاهتمام لتستعيد مكانتها الحضارية والوطنية.

واكمل :” هنا لا بدّ أن نتوقف بصدق أمام الجهة التي آمنت بهذا التحوّل منذ بدايته: جمعية مارش، التي قرأت في شباب المدينة طاقةً… لا مشكلة، ورأت في الثقافة جسراً… لا حاجزاً. شكرًا لمارش على إصرارها أن تكون شريكًا مستمرًا لا ضيفًا عابرًا، وعلى أنها اختارت أن تستثمر في الإنسان… قبل الحجر، في فن الشارع… قبل بيانات المؤتمرات، وفي المصالحة الحقيقية التي تبدأ حين نرى في الآخر إنسانًا يشبهنا، لا خصمًا علينا هزمه”.

ومن ثم القى شباب مارش الذين شاركوا في المبادرة  مؤكدين أنّ مشاركتهم هي بهدف إرسال رسالة تعايش ووحدة لكل لبنان وإنّ المجتمع غالبًا ما يحكم على الأفراد من خلال ماضيهم، لكن ما يساعد حقًا هو القدرة على تجاوزه، وهذا بالضبط ما تقوم به مارتش مع الشباب.

كما عبّر أحد المشاركين من جبل محسن عن تجربته الشخصية قائلاً إنّ دخوله قلعة طرابلس خلال هذا المشروع كان زيارته الأولى لها رغم أنها في مدينته، مؤكّدًا أنّ أكثر ما أثار شعوره بالفخر هو تنظيف القلعة جنبًا إلى جنب مع أبناء التبانة وعناصر الجيش اللبناني. وأضاف: «بعد انتهاء هذه المسيرة اكتشفنا أنّنا نستحق أن نفخر بأننا كنّا هنا.

وقال أحد الشباب المشاركين: “كل العالم بيحكمنا على ماضينا، بس ما في غير مارتش اللي نسّتنا ماضينا”. كلمات صادقة من شاب من المنكوبين عبّرت عن أثر مارش علىه.

بدورها نائب رئيس البعثة في السفارة البريطانية في لبنان فيكتوريا دان  أكدت في كلمتها ان المشاريع التي تنفذها جمعية مارتش تسهم في تعزيز السلام والمرونة، وبناء جسور بين المجتمعات المُهمَّشة، ومنح المشاركين شعورًا مشتركًا بالفخر وانه معًا، يمكننا مواصلة دعم المبادرات التي تُعزّز المصالحة، وتمكّن الشباب المهمشة، وتحافظ على الإرث الثقافي الغني في لبنان.

بعدها القى ممثل الوزير سلامة المهندس سركيس الخوري كلمة تحدث فيها عن “تجربة التعاون باشراف الجيش اللبناني بعد انفجار مرفا بيروت والتجربة المتقدمة التي تمكنت من خلالها الجهات المختصة من تحديد مناطق مصنفة تراثية وتمكن لبنان البلد الصغير من تصنيف 34 موقعا من اصل 120 فيما في اوكرانيا نجحوا في تصنيف 23 منطقة”.

واستعرض “دور الجيش اللبناني في حماية مثل هذا التصنيف”، واثنى على” دور وحدة الجيش التي تولت حماية الممتلكات الثقافية باعتبارها ان هذه التجربة تجربة التصنيف هي تجربة رائدة بالنسبة للبنان”.

ولفت الى ان” التراث في لبنان يمكنه ان يشكل اهم رافعة اقتصادية حيث لا تكاد اي مدينة او اي قرية في لبنان لا تخلو من موقع ثقافي يمكن له ان يكون منتجا بالمعنى الايجابي للاقتصاد الوطني وللتنميه المستدامة”.

واعتبر ان ” دور وزارة الثقافة لا يمكن له ان يكون ناجحا الا بالتعاون بين كل اللبنانيين فكل فرد في لبنان يمكنه ان يلعب دوره على قدر احتماله”.

واكد ان” التعاون بين كل المؤسسات والجمعيات والمجتمع المحلي يمكن ان يكون منتجا وايجابيا وخاصة في مدينة كطرابلس الغنية عن التعريف بتراثها الاجتماعي والاثري”.

وأشار الى ان” هذا التميز الطرابلسي دفع وزارة الثقافه الى وضع مدينة طرابلس على لائحة التراث العالمي كما فعلت تماما والذي يمكن له بالفعل في المستقبل ان يلعب دوره البارز في المدينة”.

ونوه ب” اعمال عدة في المدينة نفذت بالتعاون مع مؤسسات دولية مختصة وحيث امكن انقاذ احد المباني المعرضين للخطر”.

واكد” ضرورة حماية مدينة طرابلس الغنية بتراثها كرافعة اجتماعية اقتصادية”.

وختم موجها الشكر لكل مساهمين في هذا العمل في قلعه مدينة طرابلس.

وبعد عرض الفيلم الذي يوثّق الأعمال المنفَّذة والصعوبات التي رافقت هذا النشاط، وبعد إلقاء الكلمات المُعبِّرة التي أشادت بروعة هذا المشروع، قامت الآنسة بارودي، مع راعي الاحتفال وممثل قائد الجيش، بتوزيع شهادات شكر وتقدير على الشباب والعناصر العسكرية المشاركين في هذا العمل (عددهم ٦٠).

ليقوم الجيش اللبناني بعدها برفع العلم اللبناني فوق سور القلعة على وقع الموسيقى العسكرية، في رسالة واضحة الدلالات.

تجدر الإشارة إلى أن  قلعة طرابلس تبقى المعلم الذي تلتقي خلف أسواره الأديان بصمتٍ لا يحتاج إلى تبرير، فهذا المكان الذي يحتضن المحراب والمذبح معًا، شاهدٌ على قرون من التعايش والصراع والرمزية العريقة.وإذا كانت مدينة طرابلس لا تختصر بقلعتها، فإن أقبيتها ما زالت تخبّئ روايات لم تُكتب بعد…

ملاحظة :

لم يكن هذا المشروع مجرّد تنظيف وإنارة للقلعة، بل رسالة حيّة بأن الثقافة جسرٌ للمصالحة، وأن الشباب قادرون على تجاوز الانقسامات وبناء مجتمعات أكثر تماسكًا. ويبقى أمل جمعية مارتش أن تستمر هذه المبادرات في إحياء المعالم التاريخية، وغرس قيم التعاون والانتماء والفخر في قلب كل مدينة ومجتمع.

عن مارش:

مؤسسة مـارش هي منظمة لبنانية غير حكومية وغير ربحية تأسست عام 2011، تسعى إلى تعزيز التماسك الاجتماعي، الترابط، والتضامن في المجتمعات المهمشة، خصوصًا في أحياء طرابلس وبيروت، مع الحرص على استدامتها.

تعمل مـارش من خلال الوساطة، المصالحة، وتحويل النزاعات على ردم الفجوات الطائفية، وإزالة الحواجز المبنية على الخوف والانقسام، وتعزيز السلام المستدام. كما تهدف مبادراتها إلى إعادة تقديم “الآخر” من زاوية جديدة أكثر إيجابية، مما يساعد في تمكين الشباب والشابات ليصبحوا بدورهم سفراء للتغيير.

وتتجلى رسالة مـارش من خلال مبادرات اجتماعية وتنموية متنوعة تسهم في تنمية المجتمعات، تمكين الشباب، وكسر حاجز الخوف من الآخر، عبر منحهم الفرص والمهارات اللازمة لمستقبل أفضل وإبعادهم عن الصراعات.

زر الذهاب إلى الأعلى