الراعي في عيد الشعانين: نحن مدعوون لنحمل السلام في قلوبنا وفي بيوتنا وفي مجتمعنا

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الشعانين على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي “كابيلا القيامة”عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، انطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من المؤمنين.
وقال في عظة: “يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهودي، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكل المرّات، لم يمنع الشعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: “هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل”. دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاص بأطفالنا الأعزاء، صغارنا الذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحباء، عيد الشعانين، عيد الأطفال بالثياب الجديدة والشموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة التي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا! لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم”.. ..
واضاف: ” إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحديات. “هوشعنا” التي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إن قوة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثبات في الحق. وهكذا يصبح أحد الشعانين دعوة حقيقية لنا لنكون شهودًا للسلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرجاء الذي لا يخيّب، والإيمان الذي لا ينكسر.
وختم الراعي: “فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبة والسلام. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف. فنرفع المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين”.
بعدها بارك الراعي أغصان الزيتون ثم أقيم زياح الشعانين، حيث حمل الأطفال الشموع واغصان الزيتون والنخيل مرددين هوشعنا في الاعالي مبارك الآتي باسم الرب.
البطريرك اطلع على أوضاع النازحين
وعصره زار البطريرك الراعي، مبنى جمعية “مشاركة ومحبة” في انطلياس للاطلاع على اوضاع النازحين من بلدات دبل، رميش، عين ابل، القوزح، صور، بعلبك وبيروت، المتواجدين في الجمعية وعددهم يقارب ال ١٠٠ شخص، يرافقه المطرانان حنا علوان والياس نصار وامين سر البطريركية الاب فادي تابت.
كان في استقباله رئيس الجمعية الخوري شربل الدكاش، مدير الجمعية جوزف شقير والأعضاء غريس الهوا، فريد زغيب وايليسار ابو جودة. واستمع الراعي إلى مطالب النازحين واطلع على اوضاعهم.
وفي المناسبة ألقى البطريرك الراعي كلمة قال فيها: “نحن هنا لنؤكد تضامننا معكم ولو كنا متأخرين لكنكم لم تغيبوا عن بالنا ابدا، نرى هؤلاء الصغار يطالبون بأن تنتهي الحرب وهذه دعوة الجميع، نحن هنا لنصلي كي تنتهي الحرب، نصلي من أجل السلام، لقد وصلتم الى هنا من بلداتكم حيث فقدتم بيوتكم ونشكر الله ان هذا البيت استقبلكم رغم انه لا يمكن ان يكون بديلا عن بيوتكم، فأعز شيء عند الانسان هو بيته، البيت الذي ولد فيه، نحن نشعر بوجعهم وبالكلام الذي يعود الى قلوبكم حيث تتساءلون عن اسباب كل ما حصل.”
وتابع: “نقول اليوم، هذه الحرب لا أحد يريدها، لا الشعب ولا الدولة، هي حرب مفروضة علينا للأسف، وكلها قتل وهدم وتهجير، هي تجربة قاسية جدا يصعب على الانسان ان يتحملها، لكن الله يساعدنا لانه لا يريد الحرب ابدا، هو يريد السلام، لا أعرف ماذا استطيع ان اقول لكم لكن الجمرة تكوي محلها، وانتم مكويون بجمرة الحرب والدمار لكننا نحمل لكم كلمة رجاء، الرجاء الذي لا يخيب الرجاء باله الذي يرى ما يجري”.
أضاف: “نحن نصلي معكم كل يوم حتى يمس الله الضمائر ويوقف الأيادي المجرمة التي تحمل السلاح وتقتل وتدمر وتخرب، مع كل هذا فإن رجاءنا لا يخيب ولا بد أن يمس الله القلوب وتتوقف اليد المجرمة التي تستعمل السلاح، نحن نشكر الله لأنكم هنا تحت سقف يحميكم وهناك من يؤمن لكم كل ما يلزم لكن لا بديل عن البيت ابدا وهو ما سمعته منكم، في هذه الفترة علينا أن نتحمل وان نحمل هذا الصليب الصعب والثقيل، صليب الحرب والويلات والقتل والدمار والتهجير، وهو ما لا يريده الله، الحرب هي من صنع البشر الكفرة، لكننا نشكر الرب من جديد على وجود مكان تحمون فيه رؤوسكم وتحصلون على كل احتياجاتكم الضرورية اضافة الى تعليم أولادكم ويعطيهم برامج ليس لأنهم باقون هنا لكن لتمرير هذه الفترة”.
وقال: “اشكر الأب شربل، اشكر سيدنا المطران وجمعية “مشاركة ومحبة” على كل التضحيات التي يقدمونها بكل حب ومحبة لاخوتنا وأهلنا، أنتم اهلنا صحيح انكم من القوزح ومن دبل ومن عين ابل ورميش لكن من اي مكان كنتم فلا بديل عن قراكم وبيتكم ومجتمعكم، صلاتنا ستكون من أجل تقصير ايام الحرب ليأتي السلام وتعودون الى بيوتكم وبلداتكم، فلا احد يعرف الحنين الذي تحملوه ووجعكم الا انتم، لكن وجعكم كبير، لكننا هنا لنقول لكم اننا متضامنون معكم لكن ان من يأكل العصي ليس كمن يعدها، أنتم تاكلون العصي ونحن نعدها، لكن الرب يبقى معكم وهو يعطيكم القوة ويفتح أمامكم ابواب الخير وعليكم ان تقولوا له “لتكن مشيتك”، فليس مشيئته الحرب بل السلام وكرامة الانسان، هذا ما يريده الله وهذه مشيئته وليس التهجير وفقدان الأعزاء وجنى العمر والبيوت، الله يريدنا ان نعيش بفرح وطمأنينة وهذه صلاتنا اليوم لإيقاف الحرب ومنع الأيادي المجرمة من العبث، فما هذه المرحلة ان تكبس زرا لتطلق صاروخا وتهدم، هذه ليس مرجلة هذا ضعفا”.
وختم: “رغم كل ذلك نشكر ربنا انكم هنا بخير وسلام بعيدين عن الحرب وكل ما عدا ذلك يعوض، اهلا وسهلا بكم واتمنى ان تكون اقامتكم هنا سريعة وتنتهي الحرب وتعودوا الى ارضكم لكن حتى تحقيق ذلك فأنتم بعهدة “مشاركة ومحبة” وأعتقد انهم لا يقصرون بخدمتكم، نحن متضامنون معكم بوجعهم وبصلاتكم، أنتم لستم متروكين ابدا ،شكرا لكم على هذا اللقاء”.

