سياسة

المطران عودة ينتقد حب الذات وطلب المال والسلطة

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: “في هذا الأحد الخامس من الصوم الأربعيني المبارك، تضع كنيستنا المقدسة أمامنا سيرة القديسة مريم المصرية، كما تقودنا كلمة الإنجيل إلى عمق سر الطريق مع المسيح، طريق الصليب، طريق الإتضاع والخدمة، لا طريق المجد الأرضي الزائل والكرامة الباطلة. فها هو الرب يسوع صاعد إلى أورشليم، عالما ما ينتظره من آلام وصلب وموت، لكنه يتقدم بإرادته الحرة، لأنه جاء «ليبذل نفسه فداء عن كثيرين». في الوقت عينه، نجد التلاميذ ما زالوا يفكرون بعقل بشري، إذ يطلب يعقوب ويوحنا المراكز الأولى، غير مدركين أن المجد الحقيقي يمر عبر كأس الآلام. عندما قالا للرب يسوع «أعطنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك»سالهما:«أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟»، مضيفا: «من أراد أن يكون فيكم كبيرا فليكن لكم خادما، ومن أراد أن يكون فيكم أول فليكن للجميع عبدا». إنه انقلاب جذري في المفاهيم، إذ لم يعد العلو في السيطرة بل في البذل، ولم تعد العظمة في التسلط إنما في الإتضاع. هذا ما يؤكده الرسول بولس في رسالة اليوم، حين يقدم المسيح ككاهن أعظم، دخل إلى الأقداس لا بدم تيوس وعجول، بل بدمه الخاص، مطهرا الضمائر من الأعمال الميتة، لكي نعبد الله الحي. إنه سر الفداء الذي يظهر أن المحبة الحقيقية تكمن في بذل الذات حتى النهاية”.

أضاف: “كيف نعيش نحن اليوم هذا الإنجيل؟ كيف نترجمه في واقعنا المعاصر، حيث يغلب حب الذات، والسعي إلى المجد الشخصي، وطلب المال والسلطة، والتمسك بالمصلحة الشخصية؟ هذا ما نعاينه في عالمنا على صورة بطش وسطوة ونفوذ وسباق إلى التسلح والتحكم، وحروب مدمرة يريد مفتعلوها بسط سلطة أرضية ولو على جثث الأطفال والأبرياء، إرضاء لغرورهم وجشعهم أو لحقدهم، متجاهلين أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وعوض إكرامه يعملون على إبادته بأسوأ الطرق البربرية. إن حب الرئاسة وما يستتبعه من آثام هو مرض روحي يدل على الكبرياء والأنانية وقلة المحبة، لذلك نكرر خلال الصوم صلاة القديس أفرام السرياني: «أيها الرب وسيد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول، وحب الرئاسة والكلام البطال، وأنعم علي… بروح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة» لكي نعي رذائلنا ونعمل على التخلص منها”…

أضاف: “في عالمنا اليوم، قد لا تكون خطايانا علنية كما كانت في حياة القديسة مريم المصرية، لكنها كامنة في القلب: كبرياء، حسد، حقد، دينونة، أنانية، فتور روحي، إهمال للصلاة، إبتعاد عن الأسرار المقدسة… هذه كلها تحتاج توبة صادقة. فالخطر ليس فقط في السقوط، بل في الإعتياد عليه، وفي فقدان الحس بالخطيئة. لذلك، تدعونا الكنيسة في هذا الصوم إلى اليقظة، والعودة إلى ذواتنا، وفحص ضمائرنا في نور الإنجيل. ومتى قبلنا الله في حياتنا وأحببناه بصدق نصير مجبولين بالمحبة، أي بالله نفسه «لأن الله محبة» (1يو 4 :8) ، ونصبح قادرين على إظهار محبتنا للخليقة بأسرها. التلاميذ طلبوا المجد الأرضي، لكن المسيح دعاهم ويدعونا إلى مجد آخر، مجد الصليب. هذا المجد لا ينال إلا بالتواضع. الإنسان المتكبر لا يستطيع أن يتوب، لأنه لا يرى خطأه. أما المتواضع، فينفتح على نعمة الله، ويختبر التحول الحقيقي. القديسة مريم المصرية لم تصبح عظيمة إلا عندما اتضعت، وعرفت ضعفها،وأدركت خطاياها وسلمت نفسها بالكامل لله”.

وتابع: “دعوتنا اليوم واضحة، وهي أن نسلك طريق المحبة والبذل والخدمة أي طريق المسيح الذي «لم يأت ليخدم بل ليخدم»، وأن نتعلم من القديسة مريم كيف نبدأ من جديد، مهما كان ماضينا. فلا خطيئة أقوى من رحمة الله، ولا سقوط نهائيا لمن يريد أن يقوم. المهم أن نمتلك الشجاعة لنقول: «أخطأت يا رب، فارحمني»، وأن نعود إليه بقلب منسحق ومتواضع”.

وختم: “لنفحص إذا ضمائرنا ولنعترف بخطايانا ونتب عنها، ولنقترب من سر الإعتراف بإيمان، فاتحين قلوبنا لنعمة الله، لكي يطهر ضمائرنا من الأعمال الميتة كما يقول الرسول بولس، فنصير قادرين أن نعبد الله الحي، لا بالكلام فقط، بل بحياة متجددة مملوءة محبة وتواضعا وخدمة. وإذ نسير إلى نهاية الصوم، نرفع أنظارنا نحو المسيح الصاعد إلى أورشليم، حاملا صليبه من أجلنا، ونقتدي بالقديسة مريم المصرية في توبتها، لكي نصل نحن أيضا إلى تطهير النفس وقيامة القلب، ونختبر الفرح الحقيقي الذي لا يعطى إلا للذين عادوا إلى الله بكل كيانهم”.

زر الذهاب إلى الأعلى