توقيع كتاب للبروفيسور خالد عبد القادر الجندي عن نواحي لبنان وأقاليمه برعاية السفير التركي في القرن السادس عشر

أقيم في مركز الصفدي الثقافي والتربوي في طرابلس، برعاية وحضور سفير الجمهورية التركية في لبنان مراد لوتيم، حفل توقيع كتاب البروفيسور الدكتور خالد عبد القادر الجندي، الموسوم «نواحي لبنان وأقاليمه التابعين لِلواؤي الشام وصفد في القرن السادس عشر الميلادي: دراسة في التقسيمات الإدارية والسكانية والاقتصادية وفقًا لدفاتر الطابو العثمانية»، بدعوة من الجمعية اللبنانية العثمانية للدراسات التاريخية، وبحضور حشد من الشخصيات الدينية والدبلوماسية والسياسية والأكاديمية والبلدية والثقافية والاجتماعية والإعلامية.
وتقدم الحضور مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، ومفتي عكار الدكتور زيد بكار زكريا، ومفتي طرابلس والشمال السابق الدكتور مالك الشعار، والمونسنيور سمير لطوف ممثلًا رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، وراعي الاحتفال سفير الجمهورية التركية في لبنان مراد لوتيم، والنائب طه ناجي، والنائب أحمد الخير، ومحمد كمال الزيادي ممثلًا النائب اللواء أشرف ريفي، والوزير والنائب السابق معين المرعبي، والنواب السابقون صالح الخير وكاظم الخير ومصباح الأحدب وعثمان علم الدين، ورئيس اتحاد بلديات الفيحاء المهندس وائل زمرلي، ورئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة، ورئيس بلدية الميناء عبد الله ممتاز كبارة، والمستشار التعليمي للجمهورية التركية في لبنان جلال تورغوت، ومنسق الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا» في لبنان براق يورداكول.
كما حضر رئيس جامعة طرابلس الأستاذ الدكتور رأفت محمد رشيد الميقاتي، وعميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية البروفيسورة الدكتورة سهى فرج الصمد، ونائب رئيس جامعة الجنان الدكتور سائد يكن، ورئيس أكاديمية الأمين الدولية للتدريب والتطوير وعضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الدكتور أحمد الأمين، وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الجنان البروفيسور الدكتور هاشم الأيوبي، ومديرة كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية الدكتورة جانين الشعار، والبروفيسور المهندس خالد عمر تدمري، الأستاذ والباحث في كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية والمتخصص في العمارة والتراث والفنون الإسلامية، والشيخ المهندس علي الشلبي، عميد خريجي الجامعات التركية في لبنان، والدكتور بدر حسون، مؤسس قرية بدر حسون البيئية – خان الصابون في لبنان.
وشارك في المناسبة أيضًا مؤسسو المؤسسة الحديثة للكتاب، ناشرة الكتاب، الأستاذ محمد خليفة، ورامي محمد خليفة، وربيع محمد خليفة – فرع لبنان، إلى جانب ممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية، وعدد كبير من المؤرخين والباحثين وأهل الفكر والأدب والثقافة والإعلام، والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية، ورؤساء البلديات والمخاتير.
استُهل الاحتفال بالنشيدين الوطنيين اللبناني والتركي.ألقى بعدها مقدم الحفل، رئيس قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث، الدكتور زياد منصور، الكلمة الأولى، فرحب بالحضور والشخصيات الدينية والدبلوماسية والسياسية والأكاديمية، وبراعي الاحتفال السفير مراد لوتيم، وقال: «نلتقي اليوم للاحتفاء بصدور كتاب البروفيسور خالد عبد القادر الجندي».
وأشار إلى خصوصية المنهج الذي يقوم عليه الكتاب، قائلًا: «هذا الكتاب لا يقرأ لبنان القرن السادس عشر بخريطة الحاضر، بل يسعى إلى استعادة جغرافيته، أو جغرافية ذلك العصر، كما سجلتها الإدارة العثمانية».
ولفت إلى القيمة التاريخية لدفاتر الطابو التي اعتمد عليها المؤلف، موضحًا أنها أُنشئت أصلًا لأغراض الحصر والإدارة والجباية، غير أن المؤرخ يستخرج منها اليوم مادة غنية لدراسة تاريخ النواحي والقرى والسكان والأرض والاقتصاد.
وقال منصور: «وتلك مفارقة الوثيقة الجميلة؛ ما كُتب يومًا للحساب والإدارة نقرأه اليوم لنستعيد شيئًا من حياة الإنسان والمكان»، مضيفًا: «لعلنا نحن المؤرخين نبحث عن ذاكرة المدن في الوثائق، ولكن للمدن أيضًا ذاكرة حية يصنعها رجالها ومواقفهم وكلماتهم».
وتوقف عند صنعة المؤرخ ومسؤوليته العلمية، مشيرًا إلى أن ما يصل إلى القارئ بين دفتي كتاب لا يظهر كل ما سبقه من جهد، وقال: «فوراء الصفحة وثيقة، ووراء الوثيقة قراءة، ووراء النتيجة سؤال ومقارنة وتدقيق».
وشدد على أن مسؤولية المؤرخ تقتضي «ألّا يجعل الوثيقة تقول ما يريد أن يسمعه، بل أن يسائلها وينقدها ويضعها في سياقها، ثم يدع الدليل يقوده إلى النتيجة».
وأضاف أن الوثائق الرسمية التي يعود إليها الباحثون لم تعد مجرد سجلات تنتمي إلى زمن مضى، بل تحولت إلى تراث وثائقي ومادة للبحث العلمي، معتبرًا أن «أجمل ما في الوثيقة أن تستطيع، بعد قرون، أن تتجاوز الزمن الذي أُنشئت فيه، فتفتح مساحة للمعرفة والحوار والتواصل».
وختم منصور بالإشارة إلى أن رعاية الجمهورية التركية لهذا اللقاء وحضور سفيرها في لبنان يمنحان المناسبة معنى ثقافيًا وعلميًا خاصًا.
الشعار: التحقيق إحياء للعلم والذاكرة التاريخية
ثم ألقى مفتي طرابلس والشمال السابق الدكتور مالك الشعار كلمة تناول فيها مفهوم العلم ومكانة التحقيق في خدمة المعرفة وإحياء الذاكرة التاريخية، مؤكدًا أن «العلم كلٌّ متكامل لا يستغني بعضه عن بعض»، وأن فروع المعرفة، على تعددها، تتكامل في خدمة الإنسان والمجتمع.
وتوقف الشعار عند مفهوم فرض الكفاية، لافتًا إلى أن البعض قد يظن أنه غير معني به ما دام غيره يقوم به، في حين أن ترك العلوم التي يحتاج إليها المجتمع وعدم وجود من ينهض بها قد يجعل المجتمع بأسره مسؤولًا عن التفريط فيها.
وأشار إلى أن ما يصل إلى القارئ من كتب وأبحاث ومؤلفات تقف وراءه جهود كبيرة من البحث والفكر والسهر والتعب والتدقيق، قد لا يدرك مقدارها إلا من خاض بنفسه تجربة البحث العلمي.
وتناول بصورة خاصة تحقيق المخطوطات، موضحًا أن التحقيق لا يقتصر على نسخ كتاب قديم أو إعادة طباعته، بل يقوم على محاولة إخراج المخطوط بأدق صورة ممكنة وأقربها إلى الأصل الذي وضعه مؤلفه، من خلال جمع نسخه المتاحة ومقارنتها، والكشف عن الأخطاء والتحريفات، وضبط النص، وشرح الكلمات الغامضة، وتوثيق المصادر والإحالات، ووضع الهوامش والتعليقات.
ولفت إلى أن المحقق، بهذا المعنى، يحيي الكتاب من جديد، وينقله من مادة محفوظة في خزانة أو مكتبة إلى نص علمي متاح للباحثين والطلاب، مؤكدًا أن التحقيق يتطلب معرفة باللغة والتاريخ ومناهج البحث، ولا يقتصر على مجرد نقل الكلمات.
وأشاد الشعار بالكتاب موضوع الاحتفال، معتبرًا أن قيمة هذا «السفر الكبير» لا تكمن في عدد صفحاته التي تقارب الألف بقدر ما تكمن في موضوعه وفي الجهد العلمي المبذول في إعداد مادته وإخراجها.
ونوّه بالجهد الذي بذله الجندي في قراءة المادة التاريخية وجمعها وضبطها، مشددًا على أن العمل في الوثائق والمخطوطات عملية علمية شاقة تتطلب المقارنة والتوثيق والتعليق والتدقيق، فضلًا عما يرافق جمع الوثائق من المكتبات والأرشيفات المختلفة من جهد ووقت.
وتناول الشعار تاريخ الدولة العثمانية، مشيرًا إلى أنه امتد أكثر من ستة قرون، وشمل في مراحل مختلفة مناطق واسعة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، وكان للبنان وبلاد الشام نصيب طويل من هذا التاريخ.
ودعا في هذا السياق إلى قراءة التاريخ بهدوء وإنصاف، معتبرًا أن من الطبيعي أن تكون لدولة امتدت على مساحات واسعة وعلى مدى قرون جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وأن يكون لها مؤيدون ومعارضون.
وأكد أنه لا يريد إنكار رأي المعارضين ولا مصادرة رأي المؤيدين، وإنما أن يكون الميزان «ثبوت الحقيقة والعدل والإنصاف»، مشيرًا إلى أن التاريخ يضم صفحات مشرقة وأخرى مظلمة، وأن الروايات التي وصلت إلى الأجيال اللاحقة لا تقف جميعها على المسافة نفسها من الأحداث.
وشدد الشعار على ضرورة عدم محاكمة الماضي كله بمنطق الحاضر، لأن لكل عصر ظروفه وسياقاته السياسية والاجتماعية، موضحًا أن ذلك لا يعني تعطيل النقد التاريخي، وإنما فهم الوقائع أولًا في سياقها قبل نقدها وإصدار الأحكام عليها.
وتطرق إلى أوضاع الجماعات الدينية في الدولة العثمانية، مشيرًا إلى وجود جماعات إسلامية ومسيحية ويهودية متعددة، وإلى أن أوضاع مؤسساتها الدينية والاجتماعية اختلفت باختلاف الأزمنة والأقاليم، داعيًا إلى دراسة هذه المسائل من خلال الوثائق بعيدًا عن المبالغة في المدح أو الذم.
كما لفت إلى أهمية الوثائق الإدارية في فهم بنية الدولة وآليات عملها والعلاقة بين المركز والأقاليم والمؤسسات المحلية، فضلًا عما تتيحه من إمكانات لدراسة التاريخ الإداري والاجتماعي والاقتصادي والديني.
وأكد الشعار أن ثروة كبيرة من المعرفة لا تزال حبيسة المخطوطات والخزائن، وأن كثيرًا منها ينتظر الباحثين القادرين على تحقيقه ودراسته، مشددًا على أن التحقيق يعيد إلى الحياة العلمية والتاريخية جانبًا من الذاكرة التي تحفظها تلك الوثائق.
وختم مهنئًا البروفيسور خالد عبد القادر الجندي على إنجازه، ومتمنيًا له مواصلة العطاء في البحث والتحقيق، وأن يكون هذا الكتاب حلقة في سلسلة من الأعمال التي تعيد إلى المكتبة العلمية ما لا يزال مستترًا في الأرشيفات والخزائن.
لوتيم: العلم يحتاج إلى الوثيقة والدليل
بعد ذلك، ألقى راعي الاحتفال سفير الجمهورية التركية في لبنان مراد لوتيم كلمة أعرب فيها عن سروره بالمشاركة في حفل توقيع الكتاب، وأشاد بقيمة العمل الذي أنجزه البروفيسور خالد عبد القادر الجندي وما يمثله من مساهمة في توثيق جانب من التاريخ استنادًا إلى الوثائق والمصادر.
وأشار لوتيم إلى عمق روابط الأخوة والصداقة بين الأتراك واللبنانيين، لافتًا إلى أنهم عاشوا معًا قرونًا طويلة، ونشأت بينهم روابط اجتماعية وإنسانية وعائلية جعلت هذه العلاقة جزءًا من ذاكرة المجتمعين.
وشدد على أن بقاء الصداقة والأخوة في الوجدان لا يعني الاستغناء عن البحث في التاريخ، أو عن الدخول إلى الأرشيفات والعثور على الوثائق ودراستها، مؤكدًا أن الذاكرة والمشاعر لا تغنيان عن البحث العلمي القائم على الوثيقة والدليل.
وأشاد من هذا المنطلق بعمل الجندي، معتبرًا أنه يخدم العلم والمستقبل في آن واحد، لأنه يوثق جوانب من التاريخ ويترك للأجيال المقبلة مادة يمكن الرجوع إليها ودراستها.
ولفت إلى أن مسؤولية الأجيال الحالية لا تقتصر على رواية الماضي شفهيًا للأبناء والأحفاد، بل تقتضي أيضًا وضع الكتب والوثائق والمصادر بين أيديهم حتى يتمكنوا من التعرف إلى تاريخهم استنادًا إلى الأدلة.
وتطرق لوتيم إلى ما ورد في كلمات المتحدثين عن العهد العثماني والهويات والمعتقدات وأنماط الحياة، معتبرًا أن قيام دولة كبيرة وقوية لا يعني انتزاع هويات الناس، بل إقامة نظام يستطيعون في إطاره المحافظة على هوياتهم والعيش إلى جانب المجتمعات الأخرى.
وانتقل إلى العلاقات التركية – اللبنانية، مؤكدًا أن الشعبين عاشا معًا قرونًا وأن هذه الروابط التاريخية لا تزال قائمة، مشيرًا إلى أن تركيا تنظر إلى لبنان واللبنانيين باعتبارهم إخوة لها.
وشدد على احترام تركيا للدولة اللبنانية وسيادتها وجميع مكونات شعبها، مؤكدًا أنها تمد يدها إلى اللبنانيين بمختلف مكوناتهم، وأن تركيا كانت إلى جانب لبنان وستظل إلى جانبه.
وأشاد لوتيم بالمكانة العلمية للجندي وخبرته في التاريخ والأرشيف العثماني، مشيرًا إلى معرفته الواسعة بتركيا ومدنها، ومنها قونية وإسطنبول وأنقرة، ومنوهًا بخبرته العلمية وتواضعه.
وتوقف عند الأرشيف العثماني، واصفًا إياه بأنه واحد من أكبر الأرشيفات في العالم، ولفت إلى أن رقمنة جانب كبير منه جعلت الوصول إلى مواده أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي، إلا أن سهولة الوصول إلى الوثيقة لا تعني أن البحث فيها أصبح سهلًا.
وأوضح أن العمل الأرشيفي ليس مجرد زيارة للأرشيف والاطلاع على عدد من الوثائق، بل هو عمل يتطلب خبرة وصبرًا وساعات طويلة من البحث والقراءة والمراجعة، ولا سيما أن بعض الوثائق يعود إلى خمسة أو ستة قرون، وقد تكون خطوطها صعبة القراءة، ما يضطر الباحث إلى العودة إلى الوثيقة نفسها مرات عدة حتى يتمكن من قراءتها وفهمها على الوجه الصحيح.
وأضاف أن المهمة تصبح أكثر صعوبة عندما يحرص الباحث على إنجاز عمله وفق الأصول والمنهجية والمعايير العلمية، معتبرًا أن ما قدمه الجندي ليس مجرد جمع لوثائق، بل عمل علمي مهم جُمعت فيه المادة التاريخية ودُرست ونُظمت وأصبحت متاحة للباحثين والأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن قسمًا كبيرًا من وثائق الأرشيف مكتوب باللغة العثمانية، ما يجعل قراءتها غير متاحة للجميع، في حين يستطيع المتخصصون والعارفون بها التعامل معها وفهمها.
وفي ختام كلمته، طرح لوتيم فكرة ترجمة الكتاب إلى لغات أخرى، بموافقة المؤلف ومع احترام حقوق الملكية الفكرية والنشر، بهدف إيصال ما يتضمنه من وثائق ومعلومات إلى جمهور أوسع، معربًا عن استعداده للمساهمة في هذا التوجه.
الجندي: لا ينبغي للمؤرخ أن يقول أكثر مما تسمح به وثيقته
ثم ألقى مؤلف الكتاب البروفيسور الدكتور خالد عبد القادر الجندي كلمة عرض فيها جانبًا من تجربته في البحث في الوثائق والدفاتر العثمانية، مؤكدًا أن الكتابة التاريخية الرصينة لا تقوم على تكرار الروايات المتداولة، وإنما على العودة إلى المصادر الأصلية وإخضاعها للنقد والمقارنة والاستنطاق.
وأوضح الجندي أن الوثيقة لا تمثل حقيقة مطلقة، لأنها نتاج عصرها والجهة التي أصدرتها والغرض الذي كُتبت من أجله، ولذلك ينبغي للباحث أن يسأل عن ظروف إنتاجها ومضمونها ومدى موثوقيتها، وأن يقارنها بمصادر أخرى قبل الوصول إلى النتائج.
وشدد على قاعدة منهجية مفادها أن المؤرخ ينبغي «ألّا يقول أكثر مما تسمح به وثيقته»، فلا يهمل الوثيقة لمصلحة الروايات اللاحقة، ولا يحولها في المقابل إلى حقيقة نهائية منفصلة عن سياقها.
وأشار إلى الأهمية الكبيرة للأرشيف العثماني بالنسبة إلى تاريخ لبنان وبلاد الشام، معتبرًا أنه لا يمثل ذاكرة تركيا وحدها، بل يحتفظ بجزء أساسي من ذاكرة المجتمعات التي كانت ضمن الدولة العثمانية، بما تتضمنه وثائقه من معلومات عن المدن والقرى والمزارع والسكان والأراضي والضرائب والتقسيمات الإدارية.
وأوضح أن بحثه اعتمد بصورة أساسية على دفاتر الطابو والتحرير المتعلقة بالأراضي التي تدخل اليوم ضمن حدود الجمهورية اللبنانية، محذرًا من إسقاط حدود لبنان السياسية المعاصرة على جغرافية القرن السادس عشر.
ولفت إلى أن لبنان بحدوده الحالية لم يكن آنذاك وحدة إدارية مطابقة للدولة اللبنانية المعاصرة، ولذلك كان لا بد من تتبع مناطقه الحالية ضمن التقسيمات الإدارية العثمانية التي كانت قائمة في ذلك العصر.
وأشار، على سبيل المثال، إلى أن البحث في بعض مناطق الجنوب اللبناني المعاصر استوجب العودة إلى دفاتر مرتبطة بلواء صفد، وهو ما يكشف ضرورة ألا يفرض الباحث خريطة الحاضر على الماضي، بل أن يسمح للوثيقة بأن تكشف الجغرافيا الإدارية الخاصة بعصرها.
وتحدث الجندي عن مشقة العمل الأرشيفي، موضحًا أن الوصول إلى الوثائق وجمعها وتصنيفها وقراءتها ومقارنتها قد يحتاج إلى سنوات، فضلًا عن صعوبة بعض الخطوط المستخدمة في السجلات المالية والإدارية، ومنها «خط السياقت».
وأشار إلى أن ضبط أسماء القرى والمزارع والأشخاص يمثل تحديًا إضافيًا، وقد يستلزم مقارنة عدد من الوثائق والاستعانة بالمعرفة الجغرافية المحلية وبمتخصصين وباحثين للتثبت من الأسماء.
وتناول حدود المعلومات التي توفرها دفاتر الطابو بشأن الانتماءات الدينية والمذهبية، موضحًا أن هذه الدفاتر لا تقدم دائمًا التفصيل الذي يبحث عنه القارئ المعاصر؛ فقد يرد الشخص بوصفه مسلمًا من دون تحديد مذهبه، أو مسيحيًا من دون تحديد طائفته.
وأكد أنه لا يجوز للباحث أن يملأ هذا الفراغ بافتراضات لا توفرها الوثيقة، وأن غياب التحديد في المصدر يجب أن يبقى غيابًا في النتيجة العلمية ما لم تتوافر مصادر مستقلة تسمح بالتحديد.
كما دعا إلى الحذر في استخدام دفاتر الطابو لأغراض الدراسات السكانية، نظرًا إلى أن بعض السجلات تركز على أسماء الذكور ولا تقدم بالضرورة صورة ديموغرافية مكتملة لجميع أفراد الأسرة، فضلًا عن أن هذه الدفاتر أُنشئت أساسًا لأغراض إدارية ومالية وضريبية.
ولفت إلى أن البحث لم يعتمد على وثيقة منفردة، بل استند إلى عشرة دفاتر عثمانية شكّلت قاعدة وثائقية أساسية للعمل، مع بقاء الحاجة إلى المراجعة والمقارنة بسبب طبيعة الخطوط واختلاف كتابة أسماء القرى والمزارع والأشخاص وتبدلها عبر الزمن.
وختم الجندي بالتأكيد أن العودة إلى الأرشيف ليست دعوة إلى استبدال سردية تاريخية بأخرى، أو إلى منح الوثيقة العثمانية سلطة مطلقة، بل إلى إعادة بناء المعرفة التاريخية انطلاقًا من المصادر الأصلية ونقدها ومقارنتها، بحيث تكون الوثيقة نقطة البداية، يليها نقدها ومقارنتها بسائر الشواهد قبل بناء الحكم التاريخي.
تكريم ودروع تذكارية وتوقيع الكتاب
وفي ختام الاحتفال، قُدمت دروع تكريمية، إذ كرمت الجمعية اللبنانية العثمانية للدراسات التاريخية مفتي طرابلس والشمال السابق الدكتور مالك الشعار، وراعي الاحتفال سفير الجمهورية التركية في لبنان مراد لوتيم.
كما قدم خالد الدهيبي درعًا تقديرية إلى البروفيسور الدكتور خالد عبد القادر الجندي، فيما كرمت جمعية أوفياء دير عمار الجندي بدرع تقديرية، عربون شكر وتقدير لعطاءاته وإسهاماته العلمية والثقافية.
والتُقطت في ختام المناسبة الصور التذكارية التي جمعت راعي الاحتفال والمؤلف والشخصيات المشاركة والحضور، قبل أن يختتم البروفيسور الدكتور خالد عبد القادر الجندي المناسبة بتوقيع نسخ من كتابه للحاضرين.
